القول ، متى ندم عليه لأن فيه مضرة عاجلة ، ولم يقع النفع العظيم الّذي فيه ، وأنه يوفى على المضرة ، وإنما اعتقد تلك المضرة فقط ، أن يكون حسنا ، لأنه داخل في باب العلم . فأما الندم على القبيح ، فلا يكون توبة إلا ويكون حسنا ، لأن الوجوب يتضمن الحسن ، وإن كان من قبيل الاعتذار ، فيجب أن يكون علما ، لأنه اعتقاد للضرر العظيم ، أو تفويت لنفع ، من حيث كان قبيحا ، ومن حيث أقدم عليه على وجه مخصوص . ولذلك قلنا : إنه إذا ندم على الفعل القبيح ، على وجه لا يكون ثابتا ، إنه لا يوصف بالإصرار إلا إذا أريد بالإصرار أنه غير ثابت ، وذلك مما يقل استعماله عند القول عليه . ولذلك قلنا إن هذا النادم لا يجب أن يكون حاله كحال المصرّ ، على ما ادعاه المخالف علينا ، لأنه عندنا في حكم التارك ، فكما أن تارك القبيح لا لقبحه ، لا يقال إنه مصر على القبيح ، وإن لم يستحق الثواب بذلك ، فكذلك القول في هذا النادم . فإذا كان هذا الندم حسنا طاعة ، وإن لم يكن توبة ، فيجب أن تكون حاله بخلاف حال المصرّ ، لأنه فاعل لحسن في عقله ، دون المصرّ ، ولأن المصرّ مديم لفعل القبيح دونه .
فإن قال : أتقولون فيمن يعلم حال الواجبات والمحسنات في عقله ، إنه يستحق بهما الثواب ، ويكون عارفا باللّه سبحانه : إن هذا الندم يجوز أن يقع منه ، أو تقولون إنه والحال هذه لا يجوز أن يفعله ؟ فإن قلتم : يجوز أن يفعله ، فكيف يصح ذلك مع علمه بأنه يزيل الثواب ، ولا نفع فيه ؟ وإن قلتم لا يجوز أن يفعله ، فهو في حكم الملجأ إلى ألا يفعله ، فكيف يصح أن تحكموا بأنه يزيل الثواب ؟
قيل له : قد يجوز أن يعتقد في هذا الندم أنه لا يزيل ثوابه ، فيفعله على هذا الوجه . وقد يجوز مع علمه بأنه يزيل الثواب ، أن يتفق له داع إليه ، فيصير
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 368
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٨