تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
قيل له : إن وجوه القبح لا مدخل لها في استحقاق العقاب ، وإنما يستحقه لكون الفعل قبيحا ، وإن كان لا يكون قبيحا إلا ويختص ببعض وجوه القبح ، كما لا يكون قبيحا إلا وهو حادث ، يبين ذلك أن ما يقال فيه إنه من وجوه القبح ، قد يصح حصوله بعينه ولا يكون الفعل قبيحا ، بأن يقارنه أمر آخر ، ولا يستحق به العقاب . فعلم أنه إنما استحقه لقبحه ، لا لوجوه القبح ؛ ألا ترى الضرر الّذي في الفعل لا يتغير حاله ، بأن يكون في المستقبل نفع يوفى عليه ، فلما أثر ذلك في اقتضائه كونه قبيحا ، لم يستحق العقاب ، وإذا لم يؤثر ذلك ، استحق العقاب ، علم أن العقاب يتبع قبح الفعل ، لا وجوه القبح ، ولذلك يصح في الفعل المختص بوجوه كثيرة من وجوه القبح ، أن يكون العقاب فيه أقل ، مما يختص بوجه واحد ، ولذلك لا يعتبر في هذا الباب الأفعال ، فإذا كانت غير معتبرة ، والكثرة والقلة تصح فيها ، فبألّا تعتبر جهات القبح في ذلك ، أولى . وبعد ، فإن الّذي ذكرناه من الاعتبار ، يسقط ذلك ، لأنه قد يقبح قتله ولد زيد ، من حيث كان ظلما ، ومن حيث تفوت به المصلحة ، أو يؤدى إلى مفسدة ، أو يزول به انتفاع الناس ، لكونه عالما فاضلا قدوة في الأموات ، ويكون قتل الولد الآخر بخلافه ، ولا يوجب صحة الاعتذار من قتل الأول مع إقامته على قتل الثاني . واعلم أن وجوه القبح وإن تزايدت ، فالحكم بكون الفعل قبيحا دونها . فإن كان لا بد منها أو من بعضها حتى يقبح ، وذلك بمنزلة القدرة فينا ، التي لا بد منها أو من بعضها ، حتى يحصل أحدنا قادرا ، والحكم في صحة الفعل بكونه قادرا ، وإن كان لا بد منها ليحصل قادرا ، وهذه الطريقة واجبة فيما له يجب اختيار الفعل ، أو الامتناع منه ، كما أنها واجبة فيما لم يصح الفعل أو يتعذر ، لأن