أو بأن يكون المدح والثواب فيه أكثر ، وكل ذلك لا يؤثر فيما قلناه ، من أن الزواجر لا تؤثر في العقاب ، فإنه إنما يستحق ذلك لقبحه ، سيّما والّذي قد ذكرته يرجع إلى حال ترك القبيح ، لا إلى حال نفس القبيح .
فأما كثرة الدواعي إلى القبيح ، فلا يجب لأجله أن يكون العقاب أكبر ، بل الأمر بالضدّ من ذلك ، لأنه لا يجب إذا كبرت شهوته في القبيح ، أن يكون العقاب عليه أكبر ، وإنما يصير العقاب أعظم عند خفة الشهوة . وإنما يؤثر ذلك في تركه ، فالانصراف عنه ، وكل ذلك يبين أن تعلقهم بهذه الوجوه بعيد .
فاعلم أن من قوىّ شبههم ، أن يجملوا التوبة من القبيح على تركه ، فيقولون إنه يصح إذا فعله على الوجه الّذي إذا فعل تركه عليه ، يستحق به الثواب .
قالوا : وقد ثبت أنه يستحق العقاب على ترك القبيح ، إذا تركه لقبحه ولعظمه ، أو لقبحه وكثرة وجوه قبحه ، أو لكثرة الزواجر والدواعي . فيجب أن تكون التوبة بهذه المنزلة .
قالوا : ويقوى ذلك : أنه قد ثبت في التوبة ، أنها تجب لبذل المجهود ، فلو أمكنه أن يترك ما قد فعله من القبيح ، لما لزمته ، فإنما تلزمه لما تعذر ذلك ، لتقوم مقامه لو كان متأتيا ، فلا يجب أن يكون له من الحكم ما ليس للترك . وإذا كان حكم الترك ما ذكرناه ، فكذلك القول في التوبة . وهذا يسقط بالاعتذار ، لأنا قد علمنا أنه قد ترك الإساءة إلى زيد ، مع شدة الدواعي إليها ، لأنها إساءة عظيمة ، ولغير ذلك . ويصح مدحه على هذا الترك ، ولا يجب إذا فعل مثل هذه الإساءة ، أن يصح أن يعتذر منها ، وهو مقيم على ما يخالفها في هذا الوجه ، حتى يندم عليه ، لأنه إساءة ، ولعظمه أو كثرة الزواجر . وقد بينا أن دفع ذلك في الاعتذار جحد الاضطرار ، فليس لأحد أن ينازع في ذلك ، ليستقيم له العلة إلى ذكرها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 364
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٤