باضطرار ، فإذا كان سؤالك يقتضي صحته ، فيجب القضاء بفساده .
فإن قال : ومن أين أن حكم الاعتذار ما ذكرتم ؟
قيل له : قد بينا من قبل ، أن ذلك في الأمور الجلية يعلم باضطرار ، وبيّنا أن الخفىّ منه محمول على الجلىّ ، كما أن التوبة محمولة على الاعتذار في هذا الوجه ، فقد صحّ ما ألزمناكه .
فإن قال : إني أسلّم ذلك في الاعتذار ، لكن التوبة لا ينبغي أن تحمل عليه ، فقد بينا من وجوب حملها على الاعتذار ، وبينا اشتراكهما في العلة ، لأنا قلنا إنهما يجبان على طريقة الاستدراك لما كان منه ، ولإزالة ما استحقه بما كان منه ، فإذا كان الواجب في الاعتذار أن يعتبر كونه إساءة فقط ، في باب الندم والعزم ، فكذلك القول في التوبة .
وبعد ، فإن القبيح لا يصير عظيما بكثرة ما يستحق به من العقاب ، لأنه لو عظم بذلك وإنما يكبر عقابه لعظمه ، لتعلّق أحد الأمرين بالآخر ، ولتناقض ، ولأنه كان يجب لكثرة العقاب أن يعظم ، ومتى عظم أن يزداد العقاب . وإذا ازداد العقاب عظم أيضا ، فلا ينتهى إلى حد في هذا الباب . وهذا محال ، فإنما يعظم القبيح لغير عظم العقاب ، وإذا صح ذلك وقد علمنا أن ما يعظم به لا يجب أن يكون له مدخل فيما به يستحق العقاب ، حلّ ذلك محلّ سائر الأوصاف ، التي تحصل للقبيح ، من كونه ضررا في الوقت ، إلى ما شاكله . فإذا لم يعتبر ذلك في التوبة ، فكذلك القول في العظم . فإن قال : ومن أين أنّ ما يعظم لا مدخل له في العقاب ، مع أن العقاب لأجله يزداد ، ولئن جاز أن يقال ذلك ، فتجوزون في كونه قبيحا أن يقال إنه لا مدخل له في العقاب ، مع أن العقاب يثبت لأجله ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 360
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٦٠