وظلم ، لا يجب أن يكون أزيد في قبحه من الظلم الّذي يقبح لذلك فقط . فأما أحد الأسودين ، فإنما يقال هو أشد سوادا ، لقوته على الإدراك ، وقد علمنا أن ذلك لا يتأتى في القبيح ، إلا أن يراد به كثرة الأدلة ، التي هي طريق المعرفة بقبحه ، وقد بينا أن ذلك لا يعتبر به في هذا الباب .
فإن قال : فهذا القول يوجب عليكم ألّا « 1 » يقال في الكفر : إنه أقبح من الصغيرة ولا يقال في الكذب على اللّه إنه أقبح من الكذب على زيد ، ولا يقال في القتل إنه أقبح من الضرب . وفي ذلك خروج عن المتعارف « 2 » .
قيل له : إن كنت بهذا السؤال تنصر سؤالك الأول ، فذلك يتناقض ، لأن وجوه القبح قد تحصل في الصغير ، ومع ذلك يقال فيما اختص بوجه واحد : إنه أقبح منه ، كالجهل باللّه سبحانه ، والكذب الّذي يضر زيدا .
فإن قال : لم أرد به نصرة الأول ، وإنما أوردته على جهة الابتداء ، فما الجواب عنه ؟
قيل له : إذا ثبت بما قدمناه أنه لا يصح التزايد فيه ، صرف هذا القول المتعارف إلى أن المراد به العظم ، كما يقولون في زيد : إنه أصدق من عمرو ، ويراد به الكثرة في صدقه ، أو انتفاء الكذب عن أخباره . يبين ذلك أنك لو تتبعت مقاصد من يطلق هذا الكلام ، لوجدتهم يريدون ما ذكرناه . ولذلك لا يقولون في أحدهما : إنه أقبح من الآخر ، ولم يعتقدوا زيادة ما يستحق به من ذم وعقاب .
وعلى هذا الوجه يقولون في كفره نعمة الوالد ، إنه أقبح من كفر نعمة الأجنبي ،
هامش
( 1 ) في الأصل : إلا أن لا يقال وظاهر أن ( لا ) مقحمة .
( 2 ) في الأصل : ( عن التعارف ) ، وليس بجيد .