وجوبه بالاستدلال ، فلا بد فيه من دخوله في أصل ضرورىّ على الجملة ، لأنه لما علم بالعقل وجوب التحرر من المضار على وجه مخصوص ، وبيّن الشرع من حال الشرعيات أنها بهذه الصفة ، علمنا وجوبها ، ولذلك يعد الشرع كاشفا عن الأمور الثابتة في العقل ، غير مخالف لها ، فالذي يجمع الوجوه التي لها يجب الواجب ، ما قدمناه ، وهو ما عند العلم به يعلم وجوب الواجب ، ثم ينقسم ، سنذكرها « 1 » من بعد .
واعلم أن أكثر الخلاف في الأصلح ، يدخل في هذا الفصل ، لأنهم جعلوا ما ليس بوجه للوجوب وجهاله ، ومنعنا منه ، وجعلوا في كثير من مسائلهم ما هو وجه للوجوب ، ليس بوجه له ، وخالفناهم فيه ؛ وفي كثير من مسائلهم أثبتوا وجه الوجوب في القبيح ، وخالفناهم فيه ، فإنما أتوا فيما ارتكبوه ، للغلط في هذه الأصول ، لأنهم جعلوا انتفاع المعطى وأن لا ضرر على المعطى ، وجه الوجوب ، فأوجبوه ، وجعلوا كون الفعل ثوابا إلى غير ذلك ، خارجا عن أن يكون واجبا لما يجب لأجله ، فأوجبوه لا لهذا الوجه ؛ وقالوا في العقاب إنه واجب ، وخلطوا ما يجب للفاعل من الحقوق ، بما يجب على الفاعل ولم يميزوه ؛ وقالوا في الفعل الّذي يكفر عنده المكلّف الواحد : إنه يجب إذا أمر عنده جماعة ، ولم يدخلوه في جملة القبيح . فأكثر الكلام يقع بيننا وبينهم في هذا الفصل ، وإن اتصل الكلام بفروع وعبارات سنذكر جملها .
فالواجب إحكام الكلام في وجه الوجوب ، وتمييزه مما ليس بوجه له ، فإنه الأصل في هذا الباب .
هامش
( 1 ) سنذكرها : كذا في الأصل ، ولعله سقطت منه كلمة ( أقساما ) بعد قوله ( ثم ينقسم ) .