تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢

فصل في أن الواجب لا بد فيه من وجه معقول يجب لأجله

قد بينا في أول باب العدل ، أن الفعل الواجب إذا فارق غيره من الأفعال ، فذلك في أنه يقتضي أنه إنما فارقه لوجه ، كمفارقة شخص لشخص في صحة الفعل ، فكما يجب هناك القضاء لحال لاختصاصه بها فارق غيره ، فكذلك القول في الأفعال ، ولا معتبر باختلاف العبارات ، لأنا نستعمل في الأشخاص ذكر الأحوال ، وفي الأفعال ذكر الوجوه ، وذلك لا يمنع من صحة ما قدمناه ؛ وإنما ميزنا بين الأمرين في اللفظ ، لأن الأشخاص قائمة ثابتة ، وما تختص به في حكم المتجدد فيها ، والأفعال حادثة طارئة ، وما تختص به من المفارقة ، ليس في حكم ما يتجدد على ثابت ، فعبرنا عنه بذكر الوجوه لهذه الفائدة . وقد بينا في أول باب العدل أنه لا يجوز في الفعل أن يكون واجبا للأمر ، ولا لإيجاب الموجب ، إذا أريد به الإلزام بالقول ، أو نصب الدلالة فقط ، وبينا أن هذه الأمور أو بعضها يدل على وجوب الواجب ، فأما أن يجب لأجله فمحال ، لأن من حق الدليل أن يكشف عن حال المدلول ، لا أنه يصيره كذلك ، ولذلك فصلنا بين الدليل والعلة في العالم ، فقلنا إن الدليل على كونه عالما ، غير العلة الموجبة لكونه عالما ، وجوزنا في الدليل أن يثبت ولا مدلول بأن يبقى ويخرج العالم عن هذه الصفة ، وأحلنا ذلك في العلة والمعلول . وقد بينا هناك أن وجه الوجوب يجب أن يكون ما عند العلم به يعلم وجوب الفعل ، وذكرنا أن لذلك أصولا في الفعل ، وأن ما عداه يجب أن يبنى عليها ، نحو علمنا بوجوب رد الوديعة على وجه ، ووجوب شكر المنعم على / وجه ، وقضاء الدين والإنصاف ، وبيّنا أن ما يعلم