يجب ، لقبح منه سبحانه أن يذم التكليف على من استحق العقاب ، لأنه كان يجب فيما يتكلفه من العبادات ألا يصل به إلى الثواب ، فيخرج تكليفه والحال هذه ، من أن يكون تعريضا للثواب ، لأن التكليف لا يكون تعريضا لما لا يصح أن يوصل به إليه . ومتى لم يكن تعريضا للثواب قبح ، كما يقبح ابتداء التكليف لذلك .
فإن قال : إنه يصح أن يصل به إلى الثواب ، لولا جنايته المتقدمة ، فهو بجنايته ، أخرج نفسه من أن يصح أن ينتفع بطاعاته ، فحاله حال الفاسق الّذي أفسد ما استحقه على طاعاته ، فيجب ألا يقبح هذا التكليف .
قيل له : إن ما يوجب قبح التكليف ، لا فرق بين أن يكون صلاحا بجنايته ، ومن قبله أو قبل غيره ، لأنه لو قطع رجل نفسه ، لما حسن أن يكلف في المستقبل القيام ، كما لا يحسن ذلك إذا كان من قبل غيره . فإذا صح أنه لو كان لا يصح أن ينتفع بما كلف من قبل غيره ، لقبح تكليفه ، فكذلك إذا لم يصح ذلك بجناية متقدمة منه ، فأما إذا كان المعلوم أنه يجنى في المستقبل ، فذلك لا يخرجه من أن يصح أن ينتفع بالتكليف ، بأن يفعله ، ولا يضم إليه تلك الجناية ، فتكليفه يحسن . وعلى هذا الوجه يحسن تكليف الفاسق ، لأنه يمكنه أن يتوب مع ما يفعله من العبادات ، فينتفع بها .
فأما إذا قيل إن التوبة لا تزيل العقاب ، فقد انغلق عليه طريق الانتفاع بما كلف ، فيجب أن يقبح تكليفه .
فإن قال : إنه يتوصل بهذه العبادات إلى تولّد يصير نقصانا من عقابه ، فيحسن تكليفه لهذه العلة .
قيل له : قد بينا أن مع استحقاق العقاب ، لا يستحق الثواب ، على ما سنبينه ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 340
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٤٠