فما يستحقه على المعصية هو النقصان ، وإنما يقدر النقصان بثواب لو استحقه من غير أن يتقرر استحقاق الثواب ، لأنه لو صح مع استحقاقه العقاب ، أن يتقرر ذلك في وقت ، لصلح أن يتقرر في أوقات ، وتنافيهما يبطل هذا القول ، فيجب إذن أن يصير النقصان بهذه العبارات . وقد علمنا أن هذا النقصان يصح التفضل بمثله ، بل إزالة كل العقاب يصح التفضل به ، فلا يحسن التكليف لأجله ، لأن من حقه ألا يحسن إلا بأن يكون تعويضا لمنزلة لا يصح أن يتفضّل به .
فإن قال : فيجب على هذا القول ، إذا كان المعلوم أنه سيتوب في المستقبل ، أن يجب إدامة تكليفه ليصح أن ينتفع بما سلف من طاعاته .
قيل له : إنه كان متمكنا من قبل ، من أن ينتفع بها ، بأن يفعلها معرّاة من الفسق ، فإنما أتى من قبل نفسه منها . وزيادة التكليف ليست بواجبة ، وليس كذلك الحال فيما قدمناه ، لأنه تكليف مستأنف ، فلا بد من حصول شرط حسنه .
فإن قال : فيجب ألا يحسن أن يكلف الفاسق ، إذا سها عن فسقه ، لأن هذه العلة قائمة .
قيل : إن السهو الّذي يوجب تعذر التوبة عليه ، يوجب ألا يحسن تكليفه ، لو حصل لكان السهو لا يخرجه من أن يخاف في الجملة من المعاصي الواقعة ، فتصح التوبة منه ، وإن كان غير عالم بأعيان ما فعله من المعاصي ، بأنا لا نجعل العلم بأعيانها ، شرطا في صحة التوبة ، بل قد يصح مع فقد هذا العلم ، بأن يكون عالما بمعاص / في الجملة ، أو خائفا من ذلك . ولهذه الجملة قلنا : إنه تعالى لا يجوز أن يديم التكليف ، إلا ويخطر بباله أمر ما واقعه من المعاصي ، ليصير خائفا ، وللتوبة طالبا ، حتى إذا لم يفعلها ، يكون قد أتى من قبل نفسه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 341
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٤١