فإن قال : فيجب فيمن اعتقد في معاصيه أنها طاعات ، ألا يحسن منه تعالى أن يديم تكليفه ، لما أنكرتموه من العلة .
قيل له : إنه يمكنه إزالة هذا الجهل في الوقت ، بأن يعدل عنه إلى الشك ، فيتوب من المعاصي على الجملة ، فهو متمكن من أن ينتفع بتكليفه المستقبل ، ويمكنه الوصول إلى الثواب ، بفعل ما كلّف ، فخالف حاله حال ما قلناه لمن جوز في التوبة ألا تكون مقبولة . ولهذه الجملة أبطلنا قول من يقول : إن التوبة من الفعل هو ضده ، وإبطاله ، والتكليف ثابت ، فلا يجوز أن يكون هو التوبة ، وأبطلنا بمثله أن يكون شرطا في التوبة . ولهذه الجملة بينا أن رد الغصب إنما يكون شرطا في التوبة إذا أمكن ، فأما إذا تعذر ، قام العزم مقامه ، ولذلك قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : لو ألجئ الجاهل إلى ما يقتضي بقاء جهله ، بأن عرف أنه لو حاول الشك ، لمنع منه أن يونبه « 1 » ، كانت تصح ، وإن لم يمكنه إبطال الجهل ، بأن يندم عليه ، وبين أنه يصح أن يندم عليه ، إذا خاف أنه قبيح ، وإن لم يعلمه جهلا . ويصح أن يندم عليه ، من حيث اعتقده ، وهو غير ساكن النفس إليه ، لا على جملة ولا على تفصيل . وأحد ما يدل على ذلك ، أنها لو لم يسقط العقاب ، لوجب في الثابت أحد أمرين : إما أن يحسن عقابه ، فيكون من أهل النار ، أو يدخل الجنة ، ويتفضل عليه ، لأن نفس التوبة ، لا يجوز أن يستحق بها من الثواب ما يوفى على عقاب فسقه وكفره ، فلو لم يسقط العقاب ، لوجب أن يكون ثوابها محبطا ، وأن يكون باستحقاق العقاب أولى . وإن لم يتفضل عليه ، فهو من أهل النار ، وإن تفضل عليه فهو بمنزلة حور العين ، في باب أنه يتفضل عليه ولا يثاب . وهذا
هامش
( 1 ) ( يونبه ) كذا كتبت هذه الكلمة في الأصل ولعل الواو مخففة عن الهمزة ، ولكن معناها غامض في الجملة .