فصل في أن التوبة واجبة
قد بينا من قبل أن دفع المضار واجب . فإذا علم المكلف أنه قد استحق عقابا وذما ، إما على فعل أو إخلال بفعل ، فالواجب عليه إزالة ذلك ، بما يمكنه ، ولا شيء يصح أن يزيل به ذلك إلا التوبة ، على ما نبينه ، فيجب أن نكون لازمة له .
يبين ذلك أنها لا تلزم من لم يستحق عقابا ولا ذما ، وإنما تلزم من بعد هذا الاستحقاق ، فيجب أن يكون هو الوجه في لزومها ، على ما بيناه ، ويفارق كثيرا من العبارات التي تلزم للمصالح . وقد تجب ابتداء وعقيب غيرها .
فإن قيل : أليس ما يجب لدفع الضرر ، من حقه ألا يجب إلا عند العلم بذلك الضرر ، أو الخوف منه ، وعند كون المدفوع من الضرر أعظم مما يدفع به ، فيجب على هذه الطريقة ألا تجب التوبة على من يعرف استحقاق العقاب من أهل العقل ؟
قيل له : قد بينا أن الشيء قد يجب وإن لم يعلم المكلف وجوبه ، إذا تمكن من معرفته ، فالمكلف إذا أمكنه معرفة العقاب الّذي يستحقه ، فالتوبة واجبة ، كوجوبها إذا لم يعرف ذلك .
وبعد ، فإنه يعلم بعقله وجوب الذم ، وعليه فيه مضرة ، فلا يمتنع أن تجب التوبة لإزالته ، كما قلناه في الاعتذار .
فإن قال : إن ذلك يصح ، متى كانت التوبة أقل مشقة مما يجده بالذم ، فأما إذا كانت أشق ، فيجب ألا تكون واجبة لهذا الوجه .
قيل له : قد بينا أن الاعتذار وإن شق على النفس ، فإنه يجب لإزالة الذم ،