أمارة الإباحة قد حصلت فيه . وكذلك القول في الشارة عند الولائم ، وإن لم يقع منه قول ، لأنه بمنزلة الإباحة ، والواجب أن تنظر فيما تتصرف فيه ، فإذا علمته ملكا للغير ، أو ظننت ذلك بأمارة صحيحة ، جعلت الأصل فيه حظر التصرف إلا بإذن . فإذا علمت أن هناك إباحة بقول أو عادة ، زلت عن الحظر إلى الإباحة ، وإذا لم تعلم ذلك فالأصل الحظر في ذلك . فمتى علمت ما هو الحظر ، وعلمت أو ظننت وقوف المالك عليه ، لزمك الاعتذار ، إذا لم تكن الحال هذه ، فالاعتذار ساقط ، على ما بيناه من قبل ، وقد بينا أن الحظر لا يزول بالرسوم والعادات التي تجرى لا على وجه يدل على الإباحة .
واعلم أن ما يفعله الإنسان من التصرف قد يكون مما لا يختص به واحد بعينه ، بل يكون إساءة إلى قوم قد اختصوا بخطة ومحلة ، أو بالاشتراك في صناعة أو في علم ، فالواجب فيمن أقدم على ذلك ، وعلم تأذى القوم به ، أن يعتذر إلى جميعهم ، إما على جملة أو على تفصيل ، فلو أنه أساء إلى أهل بلد ، بمنعهم الماء الّذي يشربون في وقت دون وقت ، أو بسد طريق عليهم ، إلى غير ذلك ، فالواجب عليه إظهار الاعتذار على وجه يظن وقوف الجماعة عليه ، ولا يلزمه تفصيل ذلك ، إلى الأعيان ، ولو أنه أساء إلى أهل محلة بأمر يخصهم ، للزمه مثل ذلك ، فلو سعى رجل بأهل العدل إلى بعض السلاطين ، حتى نالهم من جهته مكروه ، للزمه في الاعتذار ما ذكرناه ، من غير تفصيل .
واعلم أن الدّين ربما يقتضي كون الفعل مضرة ، فيلزم في مثله اعتذار ، فلو أن رجلا استخف بالمصاحف في بلد ، فنال أهله بذلك مضرة وغم ، لكان في حكم الإساءة إليهم ، فيلزمه الاعتذار . وهذه الإساءة تتبع الدّين ، ولذلك من لم يعتقد الإسلام لا يعده إساءة ، ولا يخرج ذلك من أن يكون إساءة في الحقيقة . فأما
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 333
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٣٣