يلزمه في ذلك الإزالة والبدل جميعا ، لأنا ألزمنا أحدهما ، في غير الوجه الّذي ألزمنا الآخر فيه ؟ ومتى فعل به ما يغمه ويؤذيه ، فإنه يلزمه الاعتذار ، وجب فيه العوض أو لم يجب ، لأنه إن شتمه أو تناوله بمكروه ، فغمه بذلك ، فالواجب عليه أن يعتذر ، وإن كان العوض في الوقت لا يجب في ذلك ، ويتأخر إلى الآخرة .
والواجب فيما هذا حاله أن يعتبر ، فإن كان هذا السبب في الغم ، فالاعتذار واجب ، وإن كان ذلك الغم مما جلبه على نفسه ، فالاعتذار غير واجب . ولا بد في سبب الغمّ من أن يكون من باب المحظور ، لأنه إن كان مما له أن يفعله ، حل محل ذمه الفاسق والكافر ، في أنه وإن غمهما لا يلزمه أن يعتذر . ومتى كان مما يفعله قبيحا ، فقد يكون كالموجب للغم ، وقد لا يكون كذلك ، وإنما يجب الاعتذار في الوجه الأول دون الثاني ، لأن الثاني هو الّذي أضر بنفسه ، دون فاعل ما ليس بسبب لغمه ، فلو أن أحدنا تكلم بقبيح ، واغتم المؤمن بذلك ، كما يغتم بوقوع القبائح والمعاصي ، لم يجب الاعتذار إليه ، لأنه غير موجب لغمه ، كما يوجبه الشتم ، وتناول العرض ، إلى ما شاكل ذلك .
فإن قيل : فما قولكم فيمن شتمه بحيث لا يعلم ، ولم يغتم بذلك ، لفقد علمه ، أيلزمه أن يعتذر إليه ؟
قيل له : إذا لم يعلم ، ولا خاف هذا الشاتم أن يعلمه ، فالاعتذار ساقط ، بل ربما قبح ذلك ، لأنه وصّل به إليه ، غمّا لولاه لما وصل ، فاعتذاره بمنزلة من يحكى عنه ما فعل . فأما إن قوى في ظنه أن سيسمع ، ومتى تعرّى عن الاعتذار لحقه غم ، وإذا قارنه الاعتذار لم يلحقه ذلك ، أو تناقص ، فالواجب عليه أن يعتذر ، لأنه قد أضرّ به ، وفقد الاعتذار مما فيه مزيد مضرة ، فالواجب عليه أن يفعله .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 328
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٢٨