ذلك حتى زالت الإساءة ، كانت كأنها لم تكن ، وسقط وجوب الاعتذار ، فيجب على هذا الوجه اعتبار كلا الوجهين في وجوبه ، على ما قدمناه . ولو أنه تناول من ملكه ما المعلوم أنه لا يحفل به ، ولا لفقده مضرة ، لم يلزمه الاعتذار ، وإن كان الضرر واقعا ، لما لم يعتقد ذلك فيه ، ولذلك لو تناول هذا القدر ممن يعتد بذلك ، لزمه الاعتذار ، وكل ذلك يقوى ما قدمناه . ولو غصبه شيئا ولم يرده ، وعلم أنه لا يقف عليه أبدا ، وغلب على ظنه ذلك من حاله ، فالاعتذار غير واجب عليه ، لفقد العلم الّذي ذكرناه . ومتى غصبه ، ووقف عليه ، أو لم يقف عليه وغلب في ظنه أنه سيقف عليه ، على وجه يغمه ويؤذيه ، فالواجب عليه الاعتذار والرد جميعا . فإن أمكنه أن يجعل الرد مع الاعتذار فهو الواجب ، وإن لم يمكنه قام بهما حسبما يمكنه من التقديم والتأخير ، ويحل ذلك محل إحسانه إليه ، على وجه لا يتمكن من معرفته ، فكما أن الشكر لا يجب في ما ذا حاله ، فكذلك لا يجب عليه الاعتذار في مثله ، ولو أن الطبيب داوى جرحه ، وقصد إلى الإساءة بأن فعل ما يزيد في الضرر بالمجروح ، يظن ذلك نفعا ، لما لزمه الاعتذار ، وإنما يلزمه إزالة المضرة بما أمكنه . وربما كان الاعتذار في مثل ذلك هو الموصل للغم ، وموضوعه إزالة المضرة ، فلا يجوز أن يجب على وجه يقتضي حصول المضرة .
فإن قال : / أفيجب على من أساء إليه ، مع أنه لا يصح أن يعلمه ، أن يزيل المضرة عنه ؟
قيل له : ذلك واجب عليه ، لأنه الفاعل لها ، فإذا أمكنه إزالتها ، لزمه ذلك ، وإزالة المضرة إنما تكون في المستقبل ، فلا يخرج العوض من أن يكون ثابتا « 1 » فيما قد حصل ، لأن إزالته وقد وقع محال ، فليس لأحد أن يقول : كيف
هامش
( 1 ) رسمت الكلمة في الأصل : ( باثنا بنقطتين مفترقتين ، فقرأناها ( ثابتا ) وهي مناسبة للمقام .