إرادة ، ولا تتعلق الإرادة بالشيء ألا يكون ، وإنما تتعلق بالأمور على وجه الحدوث . فكأنه مع هذا الندم ، يجب أن يوطن نفسه بهذا العزم ، كراهة الإساءة إليه في المستقبل .
فإن قيل : وهلا قامت هذه الكراهة مقام ما ذكرتموه من الإرادة ؟
قيل له : إن أحد الأمرين يقوم ذكره مقام الآخر . لأنه لا يكره الإساءة إليه ، من حيث كانت إساءة في المستقبل ، إلا وقد وطّن نفسه ، على ما ذكرناه ، ولا يجوز أن يوطّن نفسه على ما ذكرناه إلا وهو كاره للإساءة ، أو في حكم الكاره لها ، فلا بد من العزم على كل حال .
فإن قيل : هلّا قام غير الندم مقامه في الاعتذار ؟
قيل له : ليس في جملة أفعال القلوب ما يتلافى به العابث غير الندم ، وذلك ضروري ، فلذلك لم يقم غيره مقامه .
فإن قال : هلا قام العزم الّذي ذكرتموه مقامه ؟
قيل له : لأنه لا تعلق له بالإساءة الماضية ، فلا يصح أن يغنى عن الندم .
فإن قال : فهلا أغنى الندم عن العزم ؟
قيل له : لو كان الندم بانفراده يكفى ، لوجب أن يكون بفعله معتذرا ، وإن عزم على أن يسئ إليه في المستقبل ، مثل الإساءة الماضية أو أعظم منها ، كما أنه بالندم والعزم يكون معتذرا / وإن عزم على ألّا يسئ إليه غيره ، لأنه كان يجب أن يكون العزم على الإساءة إليه ، في أنه لا يتصل بالاعتذار ، وليس بشرط فيه كالعزم على الإساءة إلى غيره . وقد ثبت باضطرار ، أنه لا يكون معتذرا ومتلافيا ، مع إظهاره عزمه على الإساءة إليه ، والاستمرار على ذلك . فيجب أن يكون هذا العزم إنما يؤثر في الندم ، لا بأن يمنع من وجوده ، لكن من حيث منع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 320
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٢٠