يحسن منهم ذمه ، كما يحسن بهم ذلك في القبيح ، الّذي لا يتعداه إلى غيره ، لأنه بالاعتذار كأنه لم يسئ إلى زيد ، ولا يخرج من أن يكون فاعلا لقبيح .
فإن قال : أفهذا الاعتذار الّذي وصفتموه ، يجب عليه في عقله ؟
قيل له : نعم . لأنه يلزمه دفع المضارّ في العقل ، وبالاعتذار يزيل الذم الجاري مجرى المضرة ، لأن من حقه أن يغمه ويؤذيه ، فيلزمه أن يعتذر لهذا الوجه ، لأنه بعد الإقدام على الإساءة ، لا يمكنه ألا يفعل ما قد فعله ، فواجب عليه بذل جهده ، بنهاية ما يمكن ، فيقيم الندم والعزم ، مقام الكف عن الإساءة ، فإذا كان ذلك واجبا عليه ، فكذلك ما يقوم مقامهما عند تعذره ، وصار ذلك في بابه بمنزلة وجوب رد العين في الغصب . فإذا تعذّر فردّ المثل الّذي يقوم مقامه ، فإذا تعذّر فالعزم على ذلك إذا قدر عليه .
فإن قيل : إذا كان موقع الذم الّذي يستحقه من جهة المساء إليه ، دون موقع الاعتذار في المشقة . فلما ذا يجب عليه الاعتذار ، وعندكم أن دفع الضرر بضرر يوفى عليه ، غير واجب ؟
قيل له :
إنه لا يظهر في الاعتذار أن الضرر فيه قد يزيد على الضرر في الذم ، بل الظاهر أن الضرر في الذم أعظم وأكثر ، ولو ظهر ذلك ، لم يجب أن يكون محمولا على ما سألت عنه ، لأن الاعتذار يتضمن أمرين : أحدهما دفع الضرر عن النفس ، والآخر دفع الضرر عن الغير ، لأنا قد بيّنا أنه كما لزمه الكف « 1 » من لسانه ، فواجب عليه أن يفعل ما يقوم مقامه ، مما لا يمكن في وسعه سواه ، وليس ذلك
هامش
( 1 ) في الأصل : عن لسانه .