يجرى مجرى التعليل ، فإذا علمنا أن عنده قبح ، ولولاه ما قبح ، بل استمر على حسنه ، علمنا أن المقتضى لقبحه هو الاعتذار .
يبين ذلك أنه إذا أساء نعلم حسن ذمه ، فإذ أحسن الإحسان الكبير الّذي يوفى على الإساءة ، من حيث لا يحصل فيه شبهة ، نعلم قبح ذمه ، فكان الوجه في قبح ذمه كثرة الإحسان ، لأن عنده علمنا قبح ذمه ، ولولاه لما علمنا ذلك ، فصار الذم المستحق بالإساءة قد يتغير حاله من حسن إلى قبح ، بهذين الوجهين ، وكل واحد منهما / ينوب عن الآخر . وهذا من الباب الّذي ذكرناه ، أنه لا بد من أن يكون له أصل ضرورىّ في العقول ، لأن حسن ذم المسىء لو لم يعلم عند الإساءة باضطرار ، لما كان له أصل ، فجعلنا نفس هذا الأصل ضروريا ، وحملنا غيره عليه ، فكذلك قبح ذم المسىء عند الاعتذار لو لم يكن العلم به ضروريا ، لم يكن له أصل سواه ، فوجب أن نجعله أصلا لما عداه ، وكذلك قبح ذم المسىء إذا عظم إحسانه ، وذلك بمنزلة ما بيناه في حسن ذم من لم يفعل ما وجب عليه ، وأنه أصل في بابه .
فإن قيل : أفتقولون أن المزيل للذم هو الاعتذار الجاري على اللسان ، أو الحاصل في القلب ؛ فإن قلتم إنه الجاري على اللسان ، فيجب أن يقبح ذمه لأجله ، وإن حصل في قلبه العزم على مثل الإساءة والإصرار عليها . وإن قلتم المعتبر بما في القلب ، فيجب ألا يقبح ذمه ، وإن اعتذر باللسان ، إذا لم يعلم ما في القلب .
وذلك يبطل قولكم : إن الذم المستحق بالإساءة يقبح عند الاعتذار ، بل يجب أن يكون حسنا ، على ما كان عليه ، لأنا نعلم الإساءة في الحقيقة ، ولا نعلم الاعتذار على الحقيقة .
قيل له : إن كان الاعتذار يعلم باضطرار ، فلا يمنع عند هذا القول أن يعلم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 313
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١٣