أنه يقترن به النفع أو السرور ، أو يؤدى إلى ذلك ، فمتى حصل ما ذكرناه ، استحق الثواب بألا يفعله ، فلذلك لم يجز في القديم تعالى أن يستحق الثواب بألا يفعل القبيح ، وإن استحق المدح بألا يفعله . وقد بينا من قبل أنه لا يجب على هذا القول أن يستحق ما لا يتناهى من مدح وثواب ، أو ذم وعقاب ، لأن الواجب لا بد من كونه محصورا ، ولأن القبيح الّذي له معه الحكم الّذي وصفناه ، لا بد من أن يكون محصورا .
فإن قيل : فيجب على هذه الطريقة ، أن يكون الإنسان في كل حالاته يستحق المدح ، بألا يظلم ولا يكذب ولا يقدم على القبائح ، وأن يعظّم ما يستحقه السلطان المتمكن من هذه الأمور من المدح والثواب .
قيل له : قد بينا أن من شرطه التمكن . فمتى تمكن من ظلم غيره ، وكان له إلى ذلك دواع ، على ما بيناه ، ولم يفعله لأجل قبحه في عقله ، لا لغرض سواه ، فإنه يستحق المدح والثواب ، وإن وقع محبطا بالقبائح لم ينتفع بذلك ، وإن لم يقع محبطا وصل إليه .
فأما الغالب من حال السلطان المتمكن ، أنه إنما لا يفعل ذلك المعنى ، أو لاكتساب الاسم ، أو لبعض الأغراض ، فلذلك لا يستحق المدح على ذلك ، وإن كان لا يفعله لقبحه على الوجه الّذي وصفنا ، فإن توليه يعظم كما ذكرته ، ويسلم إن لم يحبطه ، ونحن نتقصى القول في ذلك في باب الوعيد .
فأما إذا استحق الذم والعقاب على فعل ، فمن حقه أن يكون قبيحا وإن لم يفعله الممكّن منه المخلّى بينه وبين تركه ، وهو عالم بقبحه ، أو متمكن من معرفة قبحه ، وسواء فعله لقبحه أو لغرض سواه ، فإنه يستحق الذم . وإذا كان له في القبيح نفع يستحق العقاب على فعله .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 309
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٠٩