ممتنع ، لأنه مخيّر بين فعلين في الحال ، وإن كان قد يزول حال المكلف ، إلا أن ينطبق عليه في الثاني أحدهما ، ولكل وقت تكليف لا يتعلق بتكليف الوقت الآخر .
وهذه الطريقة بينة في العقل والسمع ، وذلك لأن الواجب في الحقوق أن يردها ، أو يعزم على ردها في المستقبل ، إذا لم يعرض ما يوجب تضييق الردّ عليه . ولذلك لو أفلس لكان وجوب العزم ثابتا ، والرد ساقطا لمّا تعذّر .
وكذلك القول في الشرعيات ، كالديون وغيرها . فأما الصلاة في أول الوقت ، فقد بينا أنها واجبة على طريق التخيير بينها وبين العزم على فعلها فيما بعد .
وكذلك القول في الحج إذا جاز تأخيره . فأما الواجب على طريق الكفاية ، فوجوبه متعلق بشرط ، وليس هو من باب التخيير ، فكأنه يجب عليه بشرط ألا يقوم غيره فيه مقامه ، ويسقط وجوبه إذا قام غيره فيه مقامه . وقد جعل له طريق إلى أن يعرف قيام الغير مقامه ، أو يعرف خلافه ، وربما قام عليه الظن في ذلك مقام العلم .
فأما استحقاق المدح والثواب على ألا يفعل ، فمن شرطه فيما لا يفعله ، أن يكون قبيحا . ومن حقه أن يكون متمكنا من فعله ، مخلّى بينه وبينه ، والإلجاء زائل ، ويجب أن يكون عالما بقبحه ، وألا يفعله من حيث كان قبيحا ، لأنه لو لم يفعله لغرض سواه ، لم يستحق المدح ، ولذلك لم يجوّز أن يقوم التمكن من معرفة قبحه مقام العلم بقبحه ، لأنه لا يصح معه أن يكون غير فاعل له لقبحه .
ومن شرط استحقاقه الثواب بألّا يفعله : أن يلحقه ما يجرى مجرى المشقّة بألا يفعله ، ولا يكون كذلك إلا بأن يكون مشتهيا له ، ويعلم ذلك من حاله ، أو يعتقد ذلك فيه ، ويظنه أو يسره ذلك ، أو يعتقد ذلك فيه ، أو يعتقده في وقوعه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 308
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٠٨