بقصده عما كان يجب أن يفعله ، فغير ممتنع على هذا فيمن لم يفعل الواجب ، أن يوصف بأنه مخط ، لأنه لم يقصد ما كان يجب أن يقصده ، فلم يقع على هذا الوجه الّذي يوجب أن يقع عليه . فأما وصف القاضي بأنه عاص ، فإنه عند أبي هاشم قد يقال إذا فعل ما كره منه . ويقال إذا لم يفعل ما أمر به ، وأوجب عليه ، واستدل على ذلك بقول الشاعر :
أمرتك أمرا حازما فعصيتني
ولا يليق ذلك إلا بأن لم يفعل ما أمر به ؛ لأنه لم يتقدم النهى ذكر . وعلى هذا الوجه يقول الفصيح لغيره : عصيتني فيما أشرت عليك ، وما أرشدتك إليه ، إذا لم يقبل ذلك منه .
وأما مذنب : فإنه مستعمل فيمن وقع الذنب منه . والذنب هو القبيح الواقع ممن يستحق عليه الذم ، لأنه لو وقع من صبي لم يوصف بذلك ، فلا يكاد يقال فيمن لم يفعل ما وجب عليه ، بأنه مذنب ، إلا على طريق الاتساع والتشبيه بمن يقع منه ذنب وتفريط . وقد بينا من قبل أنه لا معتبر بالأسماء في هذا الباب ، فإن الواجب الرجوع إلى الأدلة ، فيمن يستحق الذم والعقاب ، أو لا يستحقه ، دون الأسماء ، لأنها إنما تصح على جهة التّبع للمعاني .
وبعد ، فلو صح أنه لا يستحق العقاب إلا من يستحق هذه الأسماء ، فإنها لا تكون إلا مشتقة ، لكان لا يدل على بطلان ما نقوله ، لأنا قد بينا أنه لو كان كذلك ، لوجب أن يستحق الذم على الأمرين ، لأنه فعل القبيح والترك ، ولأنه لم يفعل ما وجب عليه . ولو ثبت أنه لا يدخل النار إلا العصاة ، وأن العاصي مشتق ، لوجب أن يحكم في كل من يدخل النار ، أنه وقعت منه معصية ، ولا يوجب أنه لا يستحق العقاب إلا على هذا الوجه ، كما لو أجمعوا أنه لا يدخل النار إلا علّق