هذا الحد بقولنا ظالم ومسئ ومتعد ومذنب ، إلى غير ذلك ، ويقولون إن هذه الأسماء جارية على طريقة اللغة ، فلا يمكن فيها من الجواب ما ذكرتم في كافر ، وفاسق .
واعلم أن من لم يفعل قضاء الدين وردّ الوديعة والغصب ، لا يمتنع من وصفه بأنه ظالم مسئ ؛ لأن أهل اللغة لا يقصدون في ذلك إلا اتخاذ معنى ، هو ظلم وإساءة ، ولذلك يصفون السّلطان إذا أمر غيره بالظلم ، ووقع منه ، أنه ظالم ، لما اعتقدوا أن الضرر وصل إليهم من جهته ، وربما لم يصفوا من باشر الظلم بذلك ، لمّا اعتقدوا فيه أنه كالآلة . وعلى هذا الحد يصفون الآمر بالإحسان أنه محسن ، لمّا وصل ذلك من قبله إليهم ، ولا يصفون بذلك الغلام المأمور ، لما اعتقدوا فيه أنه كالآلة .
فإذا ثبت ذلك ، علم أن المعتبر عندهم ، أن يصل إليه الضرر أو الغم أو هما من قبله ، وإن لم يكن ذلك بفعله ، لأنهم لا يعتبرون الفعل على ما قدمناه . وقد ثبت أن من لم يفعل إيصال الحق ، فالغم الّذي يحصل عليه صاحب الحق ، حصل من قبل ، وقد كان يجوز أن يرد حقه فيزول الغمّ ، وكذلك قد يلحقه المضرة بفعل ذلك ، وقد كان يجوز ألا يلحقه ، بأن يرد ذلك ، فهو الظالم في الحقيقة .
وعلى هذا الوجه قال شيخنا في المقدم على اللذات القبيحة : إنه ظالم لنفسه ، لما فعل ما يستحق به ذلك ، وإن لم يكن الضرر حاصلا في الحال . وعلى هذا الوجه قلنا : إن فاعل الصغيرة يكون ظالما من حيث فعل ما يوجب انتقاص ثوابه ، وفوّت « 1 » نفسه ذلك النفع ، فما الّذي يمنع على هذا الوجه ، من أن يوصف من لم يفعل ما وجب عليه ، بأنه ظالم متعد مسئ ، ووصفهم له بأنه مخط « 2 » وإن كان في الأصل يستعمل في خطأ القصد ، فإنهم يجيزون ذلك على من فعل القبيح ، فعدل
هامش
( 1 ) لم أجد الفعل ( فوت ) ، بتشديد الواو ، في معاجم اللغة .
( 2 ) مخط : كذلك في الأصل . وأصله مخطئ بالهمز ، سهلت همزته ، ثم أعلت وحذفت .