أصلا ، بأن يلزمه ذلك أولى ، فإذا كان من يقول بأن الفعل مقدور لغيره ، يلزمه التكفير ، لأنه علق العقاب بما لا يمكنه أن يقول : إنه مقدور للمعلّق ، فمتى علقه ولا مقدور واقع من قبله أولى .
واعلم أن كلام أهل العدل في ذلك جلىّ واضح لمن تدبره ، ولأنهم كفروه لقولهم بالجبر ، وقد علمنا أن هذه الكلمة تنبئ عن أنهم لما اعتقدوا أن الفعل وقع جبرا ، لا اختيارا ، وجب تكفيرهم لذلك . وقد علمنا أن هذه الطريقة لا تصح في القول بأن من لم يفعل ما وجب عليه يستحق الذم ، لأنه لا يثبت الجبر لا في نفسه ، ولا في إثبات أمر يمنع من وجوده ، بل يقول إنه لم يفعل ذلك مع جواز أن يفعله ، وإنه أتى في أن لم يفعله من قبل نفسه ، لأنه متمكن ، ولا عذر له البتة ، فكيف يشبه هذا القول بقول « جهم » ومن تابعه ؟
فلو أن قائلا قال : إنهم إذا قالوا إنه لا يستحق الذم إلا على فعل واقع ، فقد وافقوا « جهما » فيما لأجله كفّر ، لكان أقرب ، فإذا فصلوا بين قولهم وبين قول « جهم » بأنه في الحالتين ، وإن ثبت الفعل القبيح ، فإنا نقول بأن الذم يتعلق به ، وقد كان يصح من فاعله ألّا يفعله ، وألا يجب أن ضده بدل منه ، فحالنا بخلاف حال « جهم » في ذلك . وكذلك القول فيما يقوله ويذهب إليه .
وبعد ، فإنما كفرناهم ، لأنهم أوجبوا الذم والعقاب على فعل غير المكلف ، وقالوا إنه واقع من اللّه تعالى على سائر وجوهه ، وليس كذلك حالنا فيما قلناه ، لأنا علقنا الذم والعقاب بانتفاء أمر انتفاؤه إليه يرجع ، كما أن وقوعه به يكون ، ويصح منه أن يفعله ، وألا يفعله .
وبعد ، فإن « جهما » يقول فيمن لم يفعل الواجب من الإيمان ، إنه يستحق العقوبة على تركه ، الّذي هو الكفر ، كما يقوله من خالفنا فيمن لم يفعل ما وجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 299
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٩