بالمشاهدة حاله ، يحسن ذمه ، وإن لم يعلم من حالة الأمر سواه ، ودللنا على ذلك ، وبينا أنه عند ذلك يعلم أنه لم يفعل الواجب ، ولا يعلم أنه فاعل لأمر ينافيه ، أو ينافي شبيهه ، فإذا صح ذلك ، وجب إذا قال أهل العقول : إنا لا نستحسن ذم من لم يظلم ولم يسئ / أن نتأوله على ما يوافق ما بيناه ، وقد دللنا على أن من لم يردّ الوديعة ، ولم يقض الدين ، فغير ممتنع أن يوصف بأنه قد ظلم وأساء ، يبين ذلك أن أهل العقول لو قيل لهم أتستحسنون ذم من لم يرد الوديعة ولم يقض الدين ، كما تستقبحون ذم من لم يظلم ولم يتعد ولم يذنب ، لأقروا بذلك ، ووصفوه بأنه في حكم الظالم المتعدى ، من حيث لم يردّ ما يلزمه من الحق . وقد بينا أنه قد تقرر في العقل أن من لم يفعل الواجب ، فصل بينه وبين غيره ممن يفعل الواجب ، فلا بد من فصل بينهما في حسن ذمه ، وقبح ذم الآخر ، كما أن المتقرر في العقل أن من علم من غيره قبيحا يفارق به من يفعل الحسن ، فلا بد من هذه التفرقة ، وبيّنا أن هذا في بابه بمنزلة ما تقرر في العقول ، من أن من صح منه الفعل مع تعذره على غيره ، فلا بد من اختصاصه في العقول بما ليس لغيره ، ولا بد في طريقة المدح والذم مما ذكرناه ، كما لا بد في طريقة الاستدلال على حال الفاعل مما بيناه ، لأن من حق المدح والذم أن يتبعا ( الفعلية ) على طريق الإحسان ، فالتفرقة القائمة في العقول ، لا تصح إلا على هذا الوجه ، حتى يتبعها العلم بحسن الذم .
وذكر شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ، أن السمع قد ورد على هذه الطريقة ، لأنه تعالى كما علّق الذم بالفعل ، فقد علقه بأن لم يفعل ، فقال سبحانه :
( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا )
. وقال تعالى :
( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلا يَزْنُونَ ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً )
فبين أن فعل ذلك يوجب