وبعد ، فإنه يقال لهما إذا كان الّذي يبين به العاقل المكلف من الصبىّ والمجنون ، هو العلم بالقبيح الّذي فعله ، أو يمكنه من معرفة ذلك ، فيجب أن يستحق الذم على ذلك دون فعل القبيح ، الّذي قد يساويه فيه من يقبح في العقل ذمه . ومتى قالوا إنهما وإن صح منهما فعل القبيح ، فلن يصح ذلك على الشرائط التي معها يتعلق به الذم .
قلنا وكذلك حال من لم يفعل الواجب ، أنه يتأتى منه ألّا يفعله ، على شرائط لا تصح في الجماد والعاجز . وهذا / ركيك من الكلام ، لولا أن شيوخهم تعلقوا به .
شبهة أخرى لهم :
قالوا : لا يصح في المذهب أن يكون صحيحا مع كونه مساويا لما حكم الشيوخ بكونه كفرا . وقد ثبت من مذهب أهل العدل ، أنهم يكفرون « جهما » « 1 » ومن تابعه من المجبرة ، لأنه يوجب التعذيب من غير فعل العبد ، وقولكم مساوق لقوله في هذا الباب ، فيجب أن يكون فاسدا ، بل قولكم أعظم فسادا ، لأنه ثبت الفعل ، وتعلق العقاب به ، لكنه ينفى أن يكون فعلا للمعاقب ، وأنهم يوجبون العقاب ولا فعل أصلا ، فإذا كان من قال . . . « 2 » فعل قبيح ، ولم يقل ( منه ) يستحق التكفير ، فمن لم يقل بنسبته أولى بذلك ، لأنه لا يصح إذا لم يثبته أن يقول : ( هو منه ) وإذا كان يلزم من يقول في الفعل القبيح : إنه واقع لا باختياره ، ولا على وجه يمكنه الانفكاك منه ، التكفير ، فمن يقول بأنه لا فعل
هامش
( 1 ) هو جهم بن صفوان . وهو من الجبرية الخالصة . ظهرت بدعته بترمذ . وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بنى أمية . ووافق المعتزلة في نفى الصفات ، وزاد عليهم بأشياء ( انظر الجزء الأول من الملل والنحل ، طبعة مطبعة حجازي بالقاهرة سنة 1948 ص 113 ) .
وأهل العدل : هم المعتزلة .
( 2 ) بياض بالأصل ، بقدر كلمة ولعلها كلمة ( هو ) أو ( هذا ) ، أو نحوهما .