ذلك لم يمكنه أن يشير إلى ذلك بالحال التي ذكرها ، وبالتوقف والهيئة اللذين ذكرهما ، فلا بد إن كان لقوله محصول ، أن يريد به نفس الفعل . وقد بيّنا أن ذلك الفعل لو كان معلوما ، لكان إنما وصل إليه بالدليل . وقد يجوز ألا يستدل العاقل ، فكان يجب ألا يستحسنوا ذم من لم يفعل الواجب ، إذا لم يعرفوا من حاله ما ذكره بالدليل . وكان يجب في جماعتنا ونحن نخالفه في هذه المقالة ، ألا تستحسن ذمه وكذلك العقلاء من العوامّ وأصحاب الحمل . وقد بينا من قبل القول في ذلك مفصلا ، عند الدلالة على أن من لم يفعل ما وجب عليه يستحق الذم ، لأنه لم يفعل الواجب :
لأنا قد بينا أنه لا يعلم إلا كونه غير فاعل للواجب فقط ، ومع ذلك يعلم حسن ذمه في العقل . فأما ذكره الحال عند هذا الكلام فعجيب ، لأنهم يستغنون بذكر الحال في موضعه ، فدفعوا عند نصره الباطل إلى ذكره في غير موضعه . وذكره الهيئة أعجب ، لأنها في الحقيقة تستعمل في الألوان وما شاكلها ، وقد عرفنا أن من يدوم سكونه لا هيئة تتجدد . فإن أراد أنه لو قام إلى الصلاة لما بقي على حاله ، فذلك صحيح ، لكنه لا ينثني عن سكون مجدد ، ولا يفترق الحال فيه بين أن يكون حادثا أو باقيا . والّذي ادعاه من أن حال الغير كحال أنفسنا ، فليس هذا الباب مما يعرفه الإنسان من نفسه باضطرار ، فيحمل غيره عليه ، لأن طريق إثبات الفعل ووجوبه في بعض الأحوال ، وجواز تعرّى الفاعل منه في بعض الأوقات ، طريقه الدليل ، وحال النفس فيه كحال الغير ، وإنما تفترقان من جهة أن طريق تبيّنه في النفس ، ربما تظهر له ، ولا تظهر من الغير ، وربما يعرفه من نفسه بغير الطريق الّذي يعرفه به من غيره .
شبهة أخرى لهم :
وزعموا أن من لم يفعل الواجب ، فلا بد من أن يكون مع علمه بحال الواجب