قيل له : قد بينا أن وصفنا له بأنه تفضّل مجاز ، وإنما أجريناه عليه ، من حيث تفضل بأسبابه ، وإلا فهو في الحقيقة واجب ، لأن المعلوم من حاله ، أنه تعالى لو لم يفعله لاستحق الذم ، كما يستحقه أحدنا إذا لم يفعل الإنصاف ؛ وإنما نقول في جميع ما يجب عليه تعالى إنه تفضّل ، على هذا الحد ، لأنه متفضل بأسبابه ، لأنه إذا لم يخلف « 1 » ومكّن تعويضا للثواب / والعوض « 2 » ، فقد تفضل بسببهما ، فصار كأنه متفضل بهما ، كما أن أحدنا إذا تفضل بهبة الثوب ، فكأنه متفضل بثمنه ، إذا باعه الموهوب منه ، متى كان قصده بالهبة تعويض النفع . فإذا صح أن الواجب قد يجب عليه تعالى ، وأنه لا مانع يمنع من إطلاق ذلك فيه ، فيجب ألا تختلف حقيقته في الشاهد والغائب . وليس يجب إذا لم يصح دخول كثير من الواجبات التي قد تجب علينا في أفعاله ، أن يؤثر ذلك في حقيقة الواجب عليه وعلينا ، وذلك لأن ردّ العوض قد يصح وجوبه علينا ، لفعل تقدم ، وذلك لا يتأتى فيه تعالى ، ولا يمنع ذلك فيما يصح أن يجب من أفعاله ، أن حقيقته لا تفارق حقيقة الواجب علينا ، كما أنه تعالى قد يحسن بأفعال يستحيل منا الإحسان بمثلها ، كالحياة والقدرة ، ولا يمنع ذلك من حقيقة كونه محسنا ، لا تفارق حقيقته في الواحد منا .
فإذا ثبت ما بيناه ، فيجب - كما لا يصح أن يخرج الواجب من فعله ، عن دخوله في حقيقة الواجب - ألّا يصح أن يلحق به ما ليس منه ، حتى يقال إنه تعالى قد تلزمه العطية لنفع الغير ، فإن لم يلزمنا ، فيكون واجبا عليه ، ولا يكون واجبا علينا ، لأن الحد كما يجب فيه الشمول ، فكذلك يمتنع فيه الضم والإلحاق .
هامش
( 1 ) في الأصل : يكلف في موضع ( يخلف ) ؛ والإخلاف : فيه معنى الرد والتعويض .
( 2 ) العوض : كلمة لا وجود لها في الأصل ، ولكن يقتضيها هي أو مثلها السياق .