تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
وبعد ، فإن ذلك لا يفيد معرفة النقص الّذي ذكرته ، لأن إثبات النقص لا يمكن أن يعرف بزوال المدح ، بل يجب أن يعلم حاله ، كما يعلم حال المدح من غير أن يرجع في معرفة أحدهما إلى نفى الآخر ، وإنما تصح هذه الطريقة إذا كانت إحدى اللفظتين تفيد نفى ما يقتضي للآخر إثباته : لفظا أو معنى ؛ فأما إذا لم يكن الحال ذلك ، فغير جائز أن ترجع في تفسير أحدهما إلى نفى ما يفيده الآخر . فإن قال : إذا كان بعض الواجب يقتضي الظلم ممن لا يفعله ، وبعضه بخلافه ، فهلا صح ما نقوله ؟ قيل : إن الواجب بألا يفعل يقتضي الذم الّذي ذكرناه ، ثم ننظر فيه : فإن كان حقا يجب اتصاله إلى الغير ، لم يمتنع أن يكون الإخلال به ظلما ، وإلا فغير واجب ذلك فيه ؛ فلو كان في الواجبات ما يجب وجوب حكمه ، كما يجب قضاء الدين إلى ما شاكله ، لوجب في ذلك أن ننظر فيه : فإن كان فيه ما يكون حقا للغير ، فواجب أن يتضمن الظلم إذا لم يفعل ، وألّا يفارق أحد القسمين الآخر ، على ما نبينه عند الكلام عليهما ، لأنه لا فرق بين أن يجب لزيد على عمرو أن يحسن إليه ، ويجود عليه ، وبين أن يلزمه أن يقضى بينه ، في أنه كان يجب أن يكون ظالما ، بألّا يفعل ذلك . وهذه الجملة تبين أن القوم متى قالوا بوجوب الأصلح ، وقرنوا إلى ذلك أنه تعالى لو لم يفعله لم يستحق الذم ، فقد ناقضوا ؛ فإن كانوا / يعتقدون معنى القول الثاني ، فقد وافقوا ، وإن كانوا يقولون إنه تعالى متى لم يفعل ، لا يستحق من المدح ما كان يستحقه لو فعل . فقد وافقوا أيضا ، فتجب موافقتهم على هذه المواضع ، لئلا يلتبس الكلام في المعاني ، بالكلام في العبارات ، والكلام فيما يجب أن يهتم به ، بالكلام فيما يخف الخلاف فيه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 12 | القاضي عبد الجبار الهمذاني