فصل في أن الواجب في حقيقته لا يختلف بالفاعلين
قد بينا في باب الصفات أن الحقائق لا تختلف في الشاهد والغائب ، عند الدلالة على أن حقيقة العالم لا تختلف ، وتلك الجملة تبيّن في حقيقة الواجب أنها لا تختلف .
فإن قال : إنما يصح هذا الكلام إن ثبت صحة وجوب الواجب على القديم سبحانه ، وقد علمتم أن في الناس من يمتنع منه .
قيل له : إن من يخالف في الأصلح ، يوافق في ذلك ، بل يوجب في أفعاله تعالى ما ليس بواجب ، فلا حاجة بنا إلى ذكر بيانه ، وإن كنا قد بينا أن خلافهم إن كان في المعنى ، فقد صح أنه تعالى لو لم يثب الأنبياء والمؤمنين ، لكان حاله كحال أحدنا إذا لم يفعل ما يجب عليه من رد الوديعة يعدو الإنصاف ، فكما يجب فيما هذا حاله أن يكون واجبا ، فكذلك القول في الثواب . وسنبين من بعد أن الثواب واجب ، وأنه لو لم يكن بهذا الوصف ، لم يحسن التكليف لأجله ، فإن سلّم هذا المعنى ، ونزّه القديم سبحانه عن أن يصفه بأن الفعل واجب عليه ، أو لازم له « 1 » .
وهذا كلام في عبارة اللغة يقتضي فساد هذه المقالة ، وذلك لأنها لا تفرق في معنى هذه اللفظة بين فاعل و « 2 » فاعل ، كما لا تفرق في حقائق سائر الألفاظ ، فلا فرق بين من سلك هذه الطريقة وبين المجبرة ، إذا قالت إن الظلم يقع منه تعالى ، ولا يكون قبيحا ، مع تسليمها أن من حق الظلم أن يكون قبيحا .
هامش
( 1 ) سكت المؤلف عن جواب الشرط ، ولعل تقديره : فلا خلاف ، أو نحو ذلك .
( 2 ) في الأصل : ( من فاعل ) وهو تحريف من الناسخ .