العالم بوجوب العطية ، لا يعلم من حال من وجبت عليه ما يحسن لأجله أن يذمه على التروك ، ولا يظهر من حال التروك ما لا يجوز معه أن يذمه عليه ، وكان يمنع من أن يكون المعنى المخصوص ، وإنما يفارق أحدهما الآخر في طريق معرفته ، وكان يدفع بذلك تشنيع من يشنع عليه رحمه اللّه ، بأنه قد جعل تروك العطية حسنة ، وأنها في حكم المباح ، مع وجوب العطية عليه ، ومن يقول إنها لو كانت حسنة ، لجاز أن يستحق الذم ، باختيار الحسن ، إذا وجد عنده انتفاء الواجب .
وقال : كيف يصح ذلك ، ولو أن غيره منعه من الواجب ، وصيره بحيث لا يمكنه أن يختاره بأفعال كثيرة ، لحل محل من يمنعه من فعل الواجب بفعل معين . وكان يدفع رحمه اللّه جميع ذلك عنه بما حكيناه عنه : بأنه ما قال قطّ في هذه التروك إنها تحسن ، وإنما تكلم في الفرق بينها وبين الترك المعين ، من باب الذم ، من حيث لا يعلم من حالها ما يعلم من حال الترك المعين ، أو لأن العقلاء يجوزون فيمن لزمته العطية وتركها بكل جوارحه ، أنه قد تقدم منه أمر أو علامة أو ما شاكلهما ، مما كان ينوب مناب رده ببعض جوارحه . وذلك لا يتأتى في الواجب إذا تعلق بجارحة مخصوصة . فأما شيخنا أبو عبد اللّه ، فإني سمعته نصر من قوله إن هذه التروك لا تكون قبيحة ، للعلة التي حكيناها عن أبي هاشم رحمه اللّه ، وكان يقول : لا يحصل لها بأجمعها في المنع من العطية صفة لا تحصل لبعضها ، فكما لا يجوز أن يقال في بعضها إنه يقبح ، فكذلك في جميعها . والّذي قدمناه صحيح لا شبهة فيه ، لكنه يجب فيمن لزمته العطية ، أن يقسم حاله ، فيقال : إذا لم يقع منه ما ينوب مناب فعله في سقوط العطية ، فما يفعله من التروك يقبح لا محالة ، لانتفاء العطية به وعنده ، لأن هذه التروك أجمع لا يصح مع حصولها - والحال هذه - أن يكون فاعلا للعطية ، فأما إذا كان قد حصل منه ما يقوم مقام فعله في العطية ، من أمر وإشارة وما يجرى مجراهما ، فإن هذه التروك لا يجب أن تكون
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 259
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٩