ممن لزمه الرد ، ونسبوه إلى أنه مسئ ظالم ، تشبيها بمن يبتدئ فيترك المضار بغيره ؛ وعلى هذه الطريقة يصفون فاعل القبيح الّذي نال به الوطر والشهوة ، بأنه ظالم لنفسه ، لما تصوروا ما يستحقه عليه ، وأنه في الحكم كأنه أنزله بنفسه لما فعل ، سبب استحقاقه .
فإن قال : أليس من قول أبى هاشم رحمه اللّه فيمن لم يفعل الواجب ، وفعل له تركا : إنما يستحق العقاب على الترك ، وإن كان يحسن تعليق لومه بأنه لم يفعل ، وعلى الترك ، ويكون قدر ما يستحقه على الوجهين ، قدر ما يستحقه لو لم يفعل من دون ترك تقدم عليه .
ويمكنه رحمه اللّه أن يقول في نصرة ما حكيته : إنه إذا فعل الواجب تركا ، فقد حصل منه ما يمنع من وجود الواجب ، فيحل محل أن يحصل ذلك من غيره ، فكما أن غيره لو منعه من إيجاد الواجب ، لتعلق اللوم بذلك الفعل ، لا بانتفاء الواجب ، فكذلك القول فيه إذا فعل ما ينافي وجوده ، وإن كان متى كان هو الفاعل ، لم يخرج الواجب من أن يكون كان واجبا ، فإذا كان غيره هو المانع خرج عن الوجوب ، وذلك لا يقدح في التسوية بينهما في الوجه الّذي ذكره .
ويمكنه أن يقول : إنه متى فعل ترك الواجب ، فقد صير نفسه في تلك الحال يستحيل منها إيجاد الواجب ، لأنه محال منه ، فإن تقدم كونه قادرا أن يوجد ما قد أوجد ضده ، ولولا إيجاده لذلك الضد لكان إيجاد الواجب يصح ، لتقدم كونه قادرا ، فصار انتفاء الواجب كأنه لأجل وجود أمر يستحيل عنده إيجاده ، فانصرف الذم إلى ذلك الأمر ، دون انتفاء الواجب ، فأما إذا لم يفعل الواجب ، ولم يفعل تركه ، فلا علة لأجلها ينتفى الواجب إلا ما يتصل به ، وأنه لم يخبره ، وانصرف عنه ، فتعلق الذم به .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 257
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٧