تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
على العاقل حال من لزمه رد الوديعة وقضاء الدين وشكر النعمة ، وأنه مع قدرته على ذلك ، وزوال العذر ، لم يفعلها ، يعترف بحسن ذمه ، كما قد يقول : إن الذم لا يحسن إلا فيمن تقترن حاله ، فيعلم أن مراده بتغير الحال ، أحد الأمرين اللذين ذكرناهما ، وهو ألّا يفعل الواجب ، أو يفعل القبيح . وهذا بيّن في العقول ، لأنه قد مكّن من فعل الواجب ، وكلف فعله ، ليصل به إلى الثواب ، كما مكّن من فعل القبيح ، وكلّف ألا يفعله لقبحه ، لكي يصل إلى الثواب ، ويتخلص من العقاب . فإذا فعل ما قيل له ( لا تفعل ) فهو بمنزلة ما قيل له ( افعل ) . يبين ذلك أن ما لم يفعل من الواجب ، أتى فيه من قبله ، لأنه قد كان . يمكنه أن يفعله ، كما أنه فيما فعل من القبيح أتى من قبله ، لأنه قد كان يجوز ألا يفعله . فيجب أن تكون الحال واحدة في الأمرين ، وهذا مما لا ينكره أحد من أهل العقول ، إلا من أدخل على عقله الآفة ، لأنه لا يمكن في الفصل بين من يحسن ذمه ومدحه ، إلا « 1 » الرجوع إلى هذه التفرقة ، فلو لم يعرف ذلك باضطرار ، لما صح أن يعرف بالاستدلال أيضا ، لأنه يفارق التفرقة بين القادر وبين من ليس بقادر ، لأنه يمكن أن يعرف صحة الفعل من أحدهما ، ووقوعه بحسب قصده ودواعيه ، وتعذر ذلك على الآخر ، مع سلامة الأحوال ، فيتطرق بذلك إلى مفارقة القادر لغيره ، ولا يمكن فيما ذكرناه إلا أن يفصل بين فاعل القبيح ، أو من لم يفعل الواجب ، وبين فاعل الحسن أو من فعل الواجب ، في حسن ذم أحدهما دون الآخر ، فلو لم يثبت ذلك باضطرار ، لما كان له في الاستدلال طريق . وكذلك يدّعى في حسن الذم حيث يحسن ، وقبحه حيث يقبح ، العلم الضرورىّ ، ثم يبنى عليه الكلام في استحقاق العقاب وغير ذلك .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( إلى ) تحريف .