الطريق الأول . ولأنه أوضح ما يعلم به تعلق الفعل بالفاعل ، وليس كذلك حال انتفاء الواجب ، لأنه لا يدل على ضد له . ويدل على ما تقدم ذكرنا له ، لأنا قد دللنا على أن القادر قد يخلو من الأخذ والترك .
وبعد ، فلو كان انتفاء الواجب من قبله دلالة على الترك ، لوجب أن يدل في اللّه تعالى على الترك ، فكان يجب جواز الترك عليه تعالى ، لو لم يفعل الواجب ، تعالى عن ذلك . فإذا لم يدل فيه ، فكذلك لا يدل في أحدنا ، ألا ترى أن وقوع الفعل بحسب قصد الفاعل ودواعيه ، لمّا دل على أن ذلك الفعل فعله ، دلّ في الجميع من غير اختصاص .
وبعد ، فلو ثبت أن كل من لم يفعل الواجب ، فلا بد من كونه فاعلا لتركه ، لم يجب ألا يتعلق حسن ذمه بكونه غير فاعل لما وجب عليه ، بل يجب أن يقال إنه مستحق ذينك الأمرين « 1 » ، لأنه قد تقرر في العقول ، ما يوجب أن كل واحد منهما أصل ، فكما لا يجوز أن يقال في حسن ذمه على الفعل ، إنه لأجل انصرافه عن الواجب ، فإنه لم يفعله ، فكذلك لا يجوز التعليق بما ذكرناه .
فإن قال : إذا لم ينفك كونه غير فاعل لواجب ، من كونه فاعلا لتركه ، فكيف يستحق الذم على الوجهين ؟ .
قيل له : إن كان لا يصح ذلك ، فلم صار بأن يتوجه إلى الترك ، أولى من أن يتوجه إلى أنه لم يفعل الواجب . فيجب ألا يستحق الذم لأجلهما جميعا ، أو يستحق الذم لأجلهما ، فأما تخصص أحدهما دون الآخر فمحال .
وبعد ، فإن الفعل القبيح إذا وقع من زيد بجارحة لا يصح أن يحرك بعضها دون بعض ، فقد صح أنه يستحق الذم على جميعه ، وإن كان لا ينفك بعضه من
هامش
( 1 ) في الأصل : ( مستحق ذلك الأمرين ) والمراد بالأمرين : المدح على الفعل ، والذم على الترك .