تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
قيل له : لا يمتنع في الاعتقاد ( كان جهلا أو واقعا على حد التقليد ) أن يثبت في الشيء دون مثله ، ويفارق العلم الّذي يستند إلى طريق لا يجوز فيه الاختصاص ؛ ألا ترى أن العلم بأن من صح الفعل منه قادر ، لمّا وقع عن النظر ، لم يجز أن يتعلق ببعض من يصح الفعل منه دون بعض ، ولو كان على طريقة التقليد لم يمنع ذلك ، فلا يبعد في القوم أن يعتقدوا أن زيدا لم يفعل تصرفه ، كما أن الحائط لم يفعل ، وأن اعتقدوا حسن ذم زيد دون الحائط ، ولا يمتنع أن يكون الّذي يجعله طريقا للعلم من تعلّق تصرفه به وبدواعيه ، يصير كأمارة الظن فيهم ، فيعتقدون فيه ما لا يعتقدونه في الحائط . فإن قيل : خبرونا عن القوم لو لم يعتقدوا الخبر ، لكانوا يعلمون حسن ذم زيد قبل الاستدلال على تعلق الفعل به ، مفصلا أم لا ، فإن قلتم : يعلمون ذلك باضطرار ، فاعتقادهم أن ذلك فعل اللّه سبحانه ، إذ لم يخرجهم من العلم الّذي ذكرتموه ، فكيف يخرجهم من أن يعلموا حسن ذمه . فإن قلتم : لا يعلمون ذلك ، لزمكم في العوام وأصحاب الحمل ، ألا يعلموا حسن ذم من فعل القبيح . قيل له : إن الاعتقاد للمذهب الفاسد لا يجوز أن يزيل العلم الضرورىّ ، وإنما يجوز أن يؤثر في المكتسب إذا تعلق بالضرورىّ ، فلذلك لا يجوز في شيء من الاعتقادات يغيّر في علم العاقل بأن الظلم قبيح ، ويجوز أن يؤثر في ظلم بعينه ، لأن العلم به مكتسب وإن تعلق بالضروري ، فلذلك جوزنا في الخوارج ألا يعلموا قبح قتل المسلمين ، لاعتقادهم فيه أنه مستحق ، فإذا ثبت ذلك لم يمتنع في أصحاب الحمل أن يعلموا أن زيدا يستحق الذم إذا ظلم وأساء ، لأنه قد تقرر في عقلهم على الجملة ، أن فاعل القبح من حقه أن يستحق الذم ، ولم يعتقدوا في زيد بعينه ما يخرجونه عن مطابقة ما علموه باضطرار ، وليس كذلك حال المجبرة ، لأنهم قد اعتقدوا في
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 250 | القاضي عبد الجبار الهمذاني