نفوا العرض ، أو اعتقدوا الخبر ، لأنهم عرفوا بغير الأحوال ، وعلموا / أن ذلك بحسب القصد والدواعي . ويقول : إن العلم بذلك وإن لم يكن هو العلم بالفعل ، وتعلقه بالفاعل ، فهو طريق العلم بذلك ، لأن بهذا الوجه يتطرق إلى أنه فاعل ، ولا يحتاج مع هذا الطريق إلى أمر سواه ، فيصح أن يعلموا عند ذلك حسن ذمه ، كما نعلمه عند العلم بالفعل ، على طريق التفصيل .
والّذي قدمناه من ذكر المدرك ، ومن ذكر علمهم بالحركة على الجملة ، هو أبين من هذا الوجه ، وإن كان كلا الوجهين يتقارب ويسلّم .
وقد ذكر أبو هاشم رحمه اللّه أن المجبرة لا تعرف في الحقيقة أن زيدا يستحق الذم على القبيح ، ويحسن لومه عليه . قال : لأنه لا يجوز مع اعتقادهم في الفعل أنه من فعل اللّه تعالى ، وليس بفعل له أن يعلموا حسن ذمه عليه ، لأن حسن الذم تابع للعلم بكون ذلك الفعل فعلا له ، إما على جملة أو تفصيل ، فكيف يصح أن يعلمه مستحقا للذم من يجهل ذلك من حاله ، وهو الّذي كان يبصره شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه ، ومر ذلك في كلام أبى عليّ رحمه اللّه ، لأنه يسوى في إلزام المجبرة بين فعل زيد وكونه ، في أنه لا يجب أن يعلم حسن ذمه أو مدحه .
فعلى هذا الجواب السؤال ساقط ، لأنا ننكر فيمن لا يعلمه فاعلا للقبيح ، أن يعلم حسن ذمه ، ولا معتبر بقولهم : إن ذمه يحسن ، لأنا علمنا من حالهم ما ذكرناه أقوى من قولهم .
فإن قال : فلم اعتقدوا حسن ذم من يفعل القبيح ، ولم يعتقدوا حسن ذم الحائط والجماد ؟ ولم اعتقدوا حسن ذم الأسود على سواده ، أفما يدلكم تفريقهم بين الأمرين على أنهم قد علموا حسن ذم من فعل القبيح ، وإن اعتقدوا الجبر ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 249
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤٩