مباحة ، فقد حصل عند ذلك لنا العلم بانتفاء وجوه القبح عنها ، لأنه لو لم يحصل هذا العلم ، لانتقض العلم بكونها مباحة .
فإن قيل : إذا كان ماله يحسن الحسن ، ويقبح القبيح ، كالعلة في حسنه وقبحه ، فهلا جاز أن يعلم الحكم وإن لم تعلم العلة ، كما يجب مثله في سائر العلل العقلية ، لأنكم توجبون فيها تقدم العلم بحكمها ، على العلم بها ، وعلى هذه الطريقة بينتم القول في أن العلم بأن العالم عالم ، يجب أن يتقدم العلم بعلمه ، وكذلك القول في سائر العلل ، فجوزوا ما ذكرناه مثله ؟
قيل له : إن ذلك لو وجب في حسن ذم من لم يفعل الواجب ، لوجب مثله في حسن ذم من فعل القبيح ، حتى يقال فيه إنه لا يمتنع أن يعلم حسن ذمه ، وإن لم نعلم ماله حسن ، وقد بينا بطلان ذلك ، بأنه لو فعل الكفر في قلبه ، لم يعلم حسن ذمه ، وإن لم يعلم ماله حسن . وقد بينا بطلان ذلك . وإذا علمناه فاعلا للقبيح الظاهر ، علمنا ذلك . وعلى ما ذكره السائل يجب ألا تفترق الحال في الأمرين .
وبعد ، فإن طرق العلوم وتعلق بعضها ببعض قد تختلف ، فلا يجب حمل بعضها على بعض . وقد بينا في وجوه الحسن والقبح صحة ما ذكرناه فيها ، وثبت في العلل الموجبة أن حكمها يعلم أولا ، ثم تعلم العلة ، فلا يجب أن يقاس أحدهما على الآخر / ، ولم صار حمل وجوه الحسن والقبح على العلل فيما ذكره السائل أولى « 1 » من حمل العلل على ما ذكرناه في وجوه القبح والحسن ؟
فإن قال : قد غلب ذلك ، فقلنا « 2 » إن الحكم لأجل العلة يحصل ، فوجب أن يعلم أولا ، ثم يعلل ، وذلك قائم في وجوه القبح والحسن .
هامش
( 1 ) في الأصل بأولى . ولا ضرورة للباء هنا .
( 2 ) في الأصل : بأن قلنا . ولعل ما أثبتناه هو الصواب .