يتقدم له هذا العلم ، يحتاج إلى فضل تأمل . فأما إذا كان العلم بوجوبه لا من جهة الخبر ، لكن بالعقل ، فالمكتسب منه كالضرورىّ ، فكما لا يصح أن يعلم باضطرار وجوب ردّ الوديعة إلا مع العلم بما له يجب ، على جملة أو تفصيل ، فكذلك شكر النعمة وغيرها ، وكذلك قبح القبائح ، وكذلك القول فيما يعلم باكتساب . وقد دللنا على صحة ذلك من قبل ، ولو لم نذكر في ذلك إلا ما ذكرناه في هذا الباب ، من أن زيدا لو كفر بقلبه ، لكان في نفسه يستحق الذم ، ولم يحسن منا ذمّه عند فقد العلم بذلك ، حتى إذا علمناه « 1 » فاعلا للقبيح مع الشرائط المذكورة في هذا الباب ، علمنا حسن ذمه . فيجب أن يكون المفرق بين الحالتين هو ما نحن عليه ، دون ما عليه المذموم ، لأنه في الحالتين يستحق الذم ، لكونه فاعلا للقبيح ، على الوجه الّذي ذكرناه ، لكنا / في إحدى الحالتين لما لم نعلم ما له يحسن ذمه ، لم يحسن منا ذلك ، ولما علمنا في الحالة الأخرى ما يحسن لأجله ذمه ، حسن منا ذلك في العقل .
وهذه الطريقة تبين ما قدمناه ، من أن وجوب الواجب وحسنه ، وقبح الفعل ، لا يعلم إلا مع العلم بماله يختص بذلك ، على جملة أو تفصيل .
ويبين أن هذه القضية ، لو لم يجب كونها مستمرة في سائر الأفعال ، لوجبت في باب الذم والمدح .
واعلم أن طريق العلم بوجه الوجوب قد يكون تقدم العلم بوجوب ذلك الفعل ، بأن يعلم وجوبه باضطرار أو استدلال ، ويتطرق بذلك إلى ماله يجب ، من الوجه الّذي قدمناه ، لأنه الاعتبار الّذي به تعرف العلل ، بأن يعلم أن عند بعض الوجوه وجب ، ولولاه لم يجب ، على ما تقدم ذكرنا له . وقد يتطرق بوجه
هامش
( 1 ) في الأصل : ( علمنا ) .