فإن قال : جوّزوا فيمن لم يفعل الواجب ، أن يعلم حسن ذمه على هذا الوجه ، بأن يكون كونه غير فاعل للواجب ، دلالة على أنه قد فعل فعلا قبيحا ، لأجله يستحق الذم ، فيكون ذلك معلوما على جهة الجملة .
قيل له : قد كان يجب فيمن يعلم أن كونه غير فاعل الواجب دلالة على أنه فعل فعلا قبيحا ، ألا يعلم حسن ذمه ، كما ذكرناه في قول الرسول عليه السلام .
فإن قال : كذلك أقول .
قيل له : فيجب على هذا القول ، فيمن لم يستدل ، فيعلم أن القادر إذا لم يفعل الفعل ، فلا بد من أن يعلم تركا له ، من العوام والعلماء الذين يذهبون إلى خلاف هذا المذهب ، ولا يعلمون « 1 » فيمن لم يفعل ما وجب عليه ، أنه يستحق الذم . وقد بيّنا فساد ذلك ، وبينا أنه لا فرق بين من حمل ذلك على قول الرسول ، وبين من حمل فعل القبيح على ذلك ، فقال : إذا علمنا بحسن ذمه عند فعل الظلم ، فإنما نعلمه كذلك ، لأنه يدلنا على عدوله عن واجب ، هو ترك لهذا الظلم ، فكما أن هذه الطريقة فاسدة ، مباينة لقول الرسول عليه السلام ، في الوجه الّذي ذكرناه ، فكذلك القول فيما قدمنا ذكره .
فإن قال : إن لم يصح أن يعلم حسن الفعل إلا مع العلم بما له حسن ، على جملة أو تفصيل ، فكذلك يجب في القبيح والواجب .
قيل له : كذلك نقول .
فإن قال : فيجب ألا يعلم غير النبي صلى اللّه عليه وجوب الواجب ، وقبح القبيح ، وحسن المباح ، إلا من يعلم الوجوه التي لها صار كذلك ، وهذا يوجب
هامش
( 1 ) العبارة في الأصل : « ألا يعلموا » ، وفيها غموض ؛ ولعل ما أثبتناه يوضح المقصود .
يعلموا » : « الذين يعلمون » .