تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
فإن قال : إذا كان ما ذكروه لا يصح كونه وجها لوجوب الواجب ، فيجب ألا يكونوا عالمين بوجوبه . قيل له : إذا علموا صدق الرسول صلى اللّه عليه ، وخبّر بوجوب الفعل ، علموا وجوبه ، وعلموا عند ذلك بأنه إنما يجب لبعض الوجوه ، إذا تقدمت المعرفة بأن الواجب لا يجب إلا لوجه يقتضي ذلك فيه ، لأنه لا يمتنع أن يعتقد المكلف أن الواجب وإن وجب عند وجوه مخصوصة في العقل ، أنها ليست هي المؤثرة في وجوبه ، فيكون عالما بوجوب الأفعال العقلية ، وبحصول الوجوه التي لها تجب ، ويشكّ في أن وجوبها هو لذلك الوجه أو لغيره ، فيكون عالما بالحكم وثبوت العلة ، ويشك في أنها علة لذلك الحكم ، لأن العلم بذلك طريقه الاستدلال ، ولذلك قلنا : إن العالم بقبح الكذب ، لا يعلم قبحه إلا مع العلم بكونه كذبا ، لكنه قد يجوز أن يعتقد أنه يقبح لأمر سواه . فإذا صح ذلك ، لم يمتنع في المخالف لنا من البغداديين ، أن يعلم وجوب الشرعيات ، مع الخلاف الّذي قدمنا ذكره ، بأن يعتقد أنها تجب لا لوجه مخصوص ، أو يعتقد أنها واجبة لوجه لا تجب لأجله ، أو يعتقد في الجملة ، أنه لا بد من وجه تجب لأجله ، ويشك في ذلك الوجه . وهذا كما نقوله في الآلام : إن من علم أنه تعالى لا يفعل القبيح ، يعلم حسنها إذا كانت واقعة من قبله تعالى ، وإن لم يعلم الوجه الّذي له حسنت ، وهذا إنما يصح فيما العلم بوجوبه ، يتقدم على العلم بوجه وجوبه ، وذلك لا يتأتى إلا في الشرعيات ، لأن بالخبر يعلم وجوبها ، ثم يرجع إلى قضية العقول ، في المعرفة بوجه وجوبها على طريق التفصيل ، فإن كان الناظر في ذلك قد علم بالعقل وجوه الواجبات ، علم بالتأمل اليسير أنها وجبت من حيث كانت مصلحة ، أو لأنها ترك للمفسدة ، على ما بيناه في باب اللّطف ؛ وإن لم