ذمه ، وإن جهلنا ما عداه ، فعلمنا أن ذمه إنما حسن لأنه فعل القبيح ، لا لأن تركه الواجب قد انتفى . فكذلك القول فيما قدمناه .
ومما يبين ذلك أن المكلف لو فعل الكفر في قلبه ولم نعلمه من حاله ، لم نعلم حسن ذمه ، وإذا علمنا ذلك من حاله أو غيره من القبائح ، علمنا حسن ذمه ، فالفرق بين الحالتين ليس إلا ما قدمناه ، من أن فقد علمنا بالوجه الّذي له حسن ذمه ، على جملة أو تفصيل ، اقتضى العلم بحسن ذمه ، فإذا صح أنا لا نعلم من لم يفعل الواجب المخصوص إلا ذلك ، علمنا حسن ذمه . فيجب أن يكون علة حسنه ، كونه غير فاعل لما وجب عليه ، لأنه لو كان إنما حسن لأمر سواه ، كان من لا يعلم ذلك الأمر على جملة أو تفصيل ، لا يعلم حسن ذمه ، على ما بيناه فيمن يفعل الكفر في قلبه .
فإن قال : أليس النبي صلى اللّه عليه وسلم لو خبرنا عن زيد بأنه يستحق الذم ، لعلمنا ذلك من حاله ، وإن لم نعلم منه الوجه الّذي له حسن ذمه ، فهلا جوّزتم مثل ذلك فيمن لم يفعل ما وجب عليه ؟
قيل له : إن بقول الرسول بعد علمنا بصدقه ، نعلم أنه لا بد من وجه لأجله استحق الذم ، فقد علمنا عند علمنا بحسن ذمه الوجه الّذي له يحسن ذمه ، على جهة الجملة ، فهو بمنزلة أن يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم إن زيدا يستحق الذم على فعل قبيح ، في أنا وإن لم نعلمه على التفصيل ، فقد علمناه على الجملة .
يبين صحة ما ذكرناه ، أن من عرف صدق الرسول صلى اللّه عليه ، وتقدم له العلم بوجه استحقاق الذم ، يعلم ما ذكرناه ، ومن لم يعلم هذين الأصلين لا يعلم حسن ذمه . فقوله عليه السلام دلالة على ما ذكرناه ، فمن علمه على الوجه الّذي يدل ، علم به حسن ذمه ، وإلا لم يعلم ذلك .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 236
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٦