فعل قبيحا ، من ترك وغيره ، فلو علقنا حسن ذمه بفعل آخر ، لوجب أن يصحّ في العقلاء ، مع معرفتهم بحاله ، وأنه لم يرد الوديعة التي قدمنا ذكرها ، ألا يعلموه مستحقا للذم ، ولا فرق بين من دفع ذلك وبين الدافع لما قدّمناه من قبل ، فقد ثبت إذن الوجه الثالث ، وهو أن هذا العلم يحصل عند العلم بأنه لم يفعل ما وجب عليه ، ولا فرق بين من علّق هذا العلم - وإن حصل عند العلم بأنه لم يفعل الواجب - بفعل غير معلوم للعقلاء ، وبين من علّق العلم بأن الظالم يستحق الذم ، بالعلم بأنه [ إن ] لم يفعل الظلم ترك واجبا « 1 » ، فكما أن ذلك يبطل من حيث نعلم أن هذا العلم قد يحصل وإن لم يستدلّ على ذلك ، ولم يعتقد ، ولم يخطر بالبال .
وكذلك القول فيما بيناه .
وبعد ، فلولا صحة ما ذكرناه ، لأدى إلى ألا يفرق العاقل في كثير من الأحوال ، بين من لم يفعل ما وجب عليه من رد الوديعة التي حالها ما وصفنا ، وبين من لم يبتد بالتفضل ، لأنه إذا كان العلم بأنه يستحق الذم عند ذلك يتعلق بأمر آخر قد لا يعرفه العاقل ، فقد يجب أن يتساوى حالهما عنده في كثير من الأوقات ، وذلك يؤدى إلى أن يكون حكم الواجب كحكم التفضل في العقول ، ولا فرق بين من قال ذلك ، وبين من قال بمثله في القبيح والمباح . وكل ذلك يبين أن هذا التحكم معلوم فيمن لم يفعل الواجب ، وإنما يشتبه الحال في أنه يستحق الذم ، ويحسن لومه من حيث لم يفعل الواجب ، أو لأمر آخر ، فتكون المنازعة في التعليل ، لا في نفس الحكم .
هامش
( 1 ) أصل العبارة : بأنه لم يفعل الظلم تركا واجبا .