قيل له : كل هذا الاختلاف يرجع إلى أحوال له سوى كونه واجبا ، لا في عظمه ، ولا في عظم ما يستحق به ؛ فالذي سألت عنه يرجع إلى أن لبعضه مزية على بعض في العظم ، وفي عظم ما يستحق به ، وذلك مما لا نأباه ، كما لا نأبى في أحد الواجبين إن أخّر الفعل فيه ، ولا يوجب ذلك مفارقته للآخر في حده وحقيقته ، وهذا كما قدمت أن أحد الموجودين لا يكون له في حقيقة الوجود مزية على الآخر ، ولا يمنع ذلك من اختلاف حكميهما ؛ وكذلك أحد الصدقين في كونه صدقا لا مزية له على الآخر ، ولا يمنع ذلك من اختلاف حكميهما ، ولا بد متى قيل في أحد السببين إن له مزية على الآخر في حكم معقول ، أن نبين مزيته في ذلك الحكم بعينه ، فإذا لم يمكن ذلك فيه ، فبيان مزيته في حكم سواه لا يقنع .
فإن قال : أو ليس الواجب يكون واجبا لوجه معقول ، ويصح في وجه الوجوب المزية ، فهلا صحت المزية في كونه واجبا ، كما أن العلة إذا صحت فيها المزية صح في الحكم الموجب عنها ؟
قيل له : لا نسلم أولا ما جعلته أصلا ، لأن في الأحكام الواجبة عن العلل ، ما يتزايد بتزايد علله ، وفيها ما لا يتزايد ، والمعنيان في صحة التزايد في ذلك ، بالحكم المعقول دون نفس الصفة ، فلذلك قلنا إن الكثير من الحياة في حكم الجزء منه ، في أنه لا يوجب تزايدا في كونه حيّا ، لما كان المعتبر هو بالإدراك ، ومعلوم من حاله أنه لا يعتبر في الحي بقلّة الحياة وكثرتها في المحل الواحد ، كما يختلف حكم القادر بكثرة القدرة ، وكما قد يختلف حكم العالم بكثرة العلوم ؛ وإذا لم يستمر ما جعلته أصلا ، لم يسلم إلى ما بنيته عليه .
وبعد ؛ فإن وجوه الوجوب : فإن « 1 » صح فيها ما ذكرته ، فقد ثبت أن حقيقة
هامش
( 1 ) الفاء في قوله « فإن » لا معنى لها . ولعلها زيادة من قلم الناسخ .