فإن قال : إنه مع العلم بحال ما لم يفعله ، لا يخلو من إرادة له أو كراهة ، فإذا لم يجز أن يكون مريدا له مع كونه غير فاعل ، فيجب أن يكون كارها له .
قيل له : إنك إنما تبنى ذلك على أن القادر منا لا يخلو من الأخذ والترك ، وقد بينا فساد ذلك ، وبينا أن ذلك لو كان معلوما ، لم يجب فيمن علم أنه لم يفعل الواجب المخصوص ، أن يعلم ما ذكر به ، بألا يكون معتقدا لذلك ، ولا يستدل عليه ، فقد صح - على كل حال - أنا قد نعلم المكلف غير فاعل الأفعال التي قدمنا ذكرها ، وإن لم نعلمه فاعلا لفعل قبيح .
وبعد ، فإن من لم يفعل الواجب المختص بجسمه وجوارحه ، على الوجه / الّذي قدمناه ، فقد لزمه مع هذا الفعل أن يفعل الإرادة له ، فإذا فعل كراهة له ، فالكراهة ترك الإرادة ، وليست ترك الواجب المختص بجوارحه ، فقد خلا من هذا الواجب ومن تركه ، وإنما فعل تركا للإرادة ، وعلمنا بأنه تارك لأحد الواجبين ، لا يوجب أن يعلم من حاله إذا لم يفعل الواجب الآخر ، أنه فعل له تركا ، فقد صح ما أردناه .
على أن من حق الإرادة والكراهة أن تتعلقا بالحوادث ، ولا بد في المريد من أن يعتقد حدوث ذلك ، فإذا صح أن من خالف القوم قد اعتقد أن القادر قد يخلو من الأخذ والترك ، فيجب أن يعتقد جواز ألا يكون مريدا ولا كارها ، وإن لم يفعل الواجب الّذي ذكرناه . وكذلك يجب في العوامّ ، ومن لم يستدل على مذهب القوم .
وقد صح على كل حال أنا قد نعلم في المكلف أنه لم يفعل الواجب المخصوص ، وإن لم يعلم أنه قد فعل فعلا قبيحا . وقد بيّنا من قبل أن الحي منافى « 1 » صحة كونه مريدا للشئ وكارها له ، قد يخلو منهما جميعا ، وبيّنا أنه لا ضد لهما ثالثا ، وبيّنا أن خلوه من ذلك أوضح من خلوه من سائر الأفعال وتروكها ، وجعلناه دلالة على نصرة طريقتنا في هذا الباب .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( منافع ) . ولعل ما أثبتناه هو الأشبه بالقصد .