وبعد ، فإن المتولدات تنقسم ، ففيها ما لا ضد له أصلا ، لأن ضد سببه ليس بضد له ، ألا ترى أن المفارقة تضاد المجاورة « 1 » ، ولا تضاد التأليف ، لأنها لو ضادته لوجب كونها مضادة لمختلفين غير ضدين ، وكذلك القول في ضد سبب الألم وغيره ، فكيف يقال إن ترك سببه ترك « 2 » له ، والحال ما قد بيّناه ؟ وفيها ما له ضد كالألوان ، ولا يجوز في ترك سببه أن يكون تركا له ، لأن سببه الّذي هو الاعتماد لا ضد له ، فإذا لم يكن له ضد لم يكن له ترك ، فكيف يقال : إن تركه ترك لغيره ؟
وبعد ، فإن الترك والمتروك ، من حقهما أن يصح من القادر أن يختار كل واحد منهما بدلا من الآخر ، والحال واحدة ، حتى لا يحتاج في اختياره لأحد الأمرين إلى شيء لا يحتاج إليه في الأمر الآخر ، وذلك لا يبالي في المتولدين ولا في المتولد والمباشر .
فإن قال : أفليس القديم تعالى يصح أن يفعل في المحل الحركة بدلا من السكون والحال واحدة ، على طريق الابتداء ، فهلا جوزتم الترك عليه ؟
قيل له : ليس يجب فيما انتفى عنه أحد شرائط الترك ، بأن يدخل فيه الترك ؛ لأنه قد يجوز بشرط آخر ألا يدخله ذلك ، فالمتولدات لا يدخلها الترك لما بيناه ، وأفعاله تعالى لا يدخلها الترك ، لما ذكرناه من اشتراط المحلّ ، ووقوعه ابتداء بالقدرة ، وذلك لا يتأتى فيه تعالى ، لأنه تعالى قد يجوز ألا يفعل في المحل الحركة ولا السكون ، ويبقى ساكنا على ما هو عليه .
هامش
( 1 ) في الأصل : المجاوزة ، بنقطة على الراء ، وهو خطأ فيما أظن .
( 2 ) في الأصل : ( تركا ) بالنصب ، وهو خبر إن . وهو من أخطاء الناسخ .