وبعد ، فإن الفعلين إنما لا يصح اجتماعهما متى ضادّ أحدهما ما يحتاج الآخر في الوجود إليه ، وهذا يمنع من وجود كل واحد منهما بدلا من الآخر في وقته ، إلا بمقدمة في أحدهما دون الآخر ، فلذلك اخترنا لفظة التضاد ؛ يبين ذلك أنه لا يصح من أحدنا أن يفعل ( بدلا من التفرق في محل القدرة ) التأليف إلا بمقدمة ، وإلا بسبب . وليس كذلك حال الضدين ، لأن كل واحد منهما يصح أن يفعله بدلا من الآخر ، من غير أن يفعل أمرا آخر ، أو يتغير حال القدرة والمحل .
فإن قال : إذا جاز ألا يفعل فغل غيره ، فهلا جاز أن يترك فعله ، ويجب ألا يشرطوا في ذلك أن يكون القادر واحدا ؟ قيل له : قد بينا أن الداعي إلى هذا الاصطلاح يقتضي هذا الشرط ، وبينا أن معنى الترك يخالف ما ذكرته ، لأنه ليس كل من لم يفعل يوصف بأنه تارك ، لأن العاجز غير فاعل ، وكذلك الممنوع ، ولا يقال فيهما إنهما تاركان .
فإن قال : ولما ذا شرطتم أن يكون المحل واحدا ؟ وهلا جعلتم الجملة من ذلك في حكم المحل الواحد ، فتقولوا إن سكون بعض أجزائه ، ترك لحركة البعض الآخر ، كما أنه ترك لحركة هذا البعض .
قيل له : لأن ذلك يوجب في سكون كل جزء أن يكون الشرط في كونه تركا لحركة الجزء الآخر ، سكون الجزء الآخر ، وليس هذا بأن يجعل شرطا في ذلك ، أولى منه بأن يجعل شرطا في هذا ، وفي ذلك إيجاب تعلق البعض بالبعض ، وإيجاب كون الشرط هو المشروط ، فلذلك بطل ما سألت عنه ، وإن كان من جهة القدرة ، كما لا يصح أن يحرك المحل الواحد من المفصل الواحد ويسكنه ، فكذلك لا يجوز أن يحرك بعضه به ، ويسكن البعض الآخر .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 204
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٤