في فاعل الضرب من حيث وضعوه للجملة التي تأملها يقتضي كونه فاعلا ، فإذا تأملناها وعرفنا التفصيل ، جعلنا الاسم مقيدا .
وكان شيخنا أبو إسحاق رحمه اللّه ، يزعم أن لفظة الترك في اللغة لا تفيد ما ذكرناه في الاصطلاح ، وإنما يستعملونها فيمن لا يفعل ما يجوز أن يفعله ، فيقولون فيمن هذا حاله : إنه تارك لما لم يفعل . وعلى هذا الوجه قال تعالى :
« وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ »
لما لم يفعل فيهم الاستفساد . وعلى هذا الوجه يستعملون هذه اللفظة عموما ، في كل ما هذا حاله ، اختص بتلك الشرائط أم لم يختص ، ولا يعتبرون فيما يقولون لزيد : إنه ترك « 1 » فعله لضده ، أو ألّا يكون فاعلا لذلك . ولذلك لا يقولون فيه : إنه ترك ما لا يجوز أن يفعله البتّة . فذكر أن استعمال الترك والمتروك في الوجه الّذي بيناه اصطلاح من المتكلمين لا محالة ، وليس باصطلاح من جميعهم ، لكنه اصطلاح أصحابنا البصريين ، لأنهم بينوا الكلام في ذلك ، وذكروا شرائطه ، ولا يمتنع في اللفظة أن يختلف فيها اصطلاح المتكلمين ، فيكون كل فريق منهم يستعملها على وجه ، لأغراض لهم ومذاهب .
فأما شيخنا أبو علي رحمه اللّه ، فإنه زاد فيه شرطا آخر ، فقال : ويجب فيهما ألا يخرج القادر المخلّى من أحدهما إلا بفعل الآخر . ولهذا لما جاز عنده الخروج من الضدّين المتولدين ، لم يعبر بهذه العبارة عنهما .
ولم يجعل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ذلك شرطا ، لأن من مذهبه جواز خلو القادر المخلّى من الأخذ والترك . وقد كان يجوز مع هذا المذهب أن يجعل ذلك شرطا ، ويجعل بدل الوجوب « 2 » الّذي ذكره أبو علي رحمه اللّه الجواز ، لأن
هامش
( 1 ) في الأصل : تركه .
( 2 ) في الأصل : الوجود ، بالدال . تحريف .