وبعد ، فإن في صفات الواجب ما إذا علم علم وجوبه لأجله ، فما الّذي يمنع أن يعلم العاقل الواجب إذا علمه على تلك الصفة ، وإن لم يعلم قبح تركه ، وكيف يجوز أن يعلق العلم بوجوبه ، بالعلم بصفة لغيره وضده ، ولا يعلق ذلك بصفة له ، مع أن هذه الصفة هي المؤثرة في وجوبه / دون صفة غيره ؟
يبيّن ذلك أنه لما صح أن يعلم قبح القبيح لصفة تخصه ، لم يجز أن يعلق العلم بقبحه بصفة لغيره ، بل يجب أن يعلقه بالعلم بهذه الصفة المؤثرة في قبحه ، فكما لا يجوز أن يحد القبيح بأن له ترك واجب ينصرف عنه إليه ، فكذلك القول في الواجب أنه لا يجوز أن يحدّ بأن له تركا قبيحا ينافي وجوده وجوده . وكيف يصح لهم هذا الحدّ وقد ثبت من اعتبار جماعتنا ، أنا ننفى هذا الترك ، ونقول لا يجب وجوده إذا لم يفعل القادر ما وجب عليه ، ونعلم مع ذلك وجوب الواجبات علينا وعلى غيرنا ، وكل حدّ للواجب يعلم فساده بالرجوع إلى أنفسنا ، وجب بطلانه ؟
فإن قالوا : إنكم تثبتون الترك ، وإنما لا تثبتون وجوب حصوله إذا لم يقع الواجب ، فلذلك [ يجب ] « 1 » أن تعلموا الواجب واجبا عليكم وعلى غيركم .
قيل له : إنكم إن أردتم بحد الواجب ، أن له تركا قبيحا يجوز أن يقع وألا يقع ، فالواجب على هذه القضية ألا يقطعوا فيمن لم يفعل الواجب ، أنه يستحق الذم في كل حال ، بل يجب أن يجوزوه مستحقا له في حال دون حال ، ومتى شككتم في حاله أوقع منه الترك أم لم يقع ، أن تقفوا في حسن ذمه ، فذلك « 2 » يوجب قلب العقول ، وفي ذلك بيان أنكم أردتم بالحدّ أن له تركا قبيحا ، يجب
هامش
( 1 ) [ يجب ] : ساقطة من الأصل .
( 2 ) في الأصل : فلذلك .