وبعد ، فقد دلت الدلالة عندنا على أن القادر منا قد يخلو من الأخذ والترك ، مع سلامة الأحوال ، وذلك يبطل ما حدّوا به الواجب ، لأنه يجب على قولهم أن يختلف حال من وجب عليه في الذم ، فمرة « 1 » يستحقه إذا « 2 » هو عدل عن الواجب إلى الترك ، ومرة لا يستحقه إذا لم يفعل الواجب ولا الترك ، أو يستحق الذم في الحالين ، وذلك يصحح ما نذهب إليه ، على أن أحدنا قد صح أنه قادر على جهل لا غاية له ، لأنه لا ينتهى فيه إلى حد إلّا ويقدر على أن يفعل أكثر منه ، على ما ذكرناه في باب القدر أنها تتعلق من المختلف بما لا نهاية له . فيجب على قولهم إذا كان حد الواجب ما له ترك قبيح ، أن يلزم من هذا حاله أن يفعل العلم بجميع ما يقبح منه أن يجهله ، وفي ذلك إيجاب ما لا نهاية له من العلوم ، بل فيه إيجاب ما يقبح منه ، لأن الأمور التي يصح أن يجهلها ، فيها ما لا دليل عليه ، فلا يمكنه أن يعلمه بالنظر والاستدلال .
فصل في أنه قد يعلم الواجب واجبا ، وإن لم يعلم أن له تركا قبيحا
فإن قال : إنما نقول : إن حد الواجب ما له ترك قبيح ، إذا كان الترك إنما يقبح لمكان وجوبه ، وذلك لا يتأتى في الجهل والعلم .
قيل له : إن الّذي أطلقتموه لا يفهم منه ما ذكرتم الآن ، وإنما يفيد أن الواجب ما تركه قبيح ، ولا يفيد الوجه الّذي له قبح . وهذا يبين صحة ما ألزمناكم .
فإن عدلتم عن ذلك الحدّ المطلق ، إلى هذا الحد المقيد ، كلمناكم بما تقدم .
هامش
( 1 ) في الأصل : ومرة .
( 2 ) في الأصل : إذ .