وبعد ، فإن قبح الجهل لكونه جهلا ، لا يمنع من قبحه إذا كان منافيا للعلم ، من حيث كان منافيا له ، فالكلام قائم عليكم .
وبعد ، فلو كان الواجب يجب لأن له تركا قبيحا ، وقد علمنا أن ترك القبيح يقبح لأنه ترك للواجب / لوجب من ذلك تعلق وجوب الواجب بقبح تركه ، ويتعلق قبح تركه بوجوب المتروك ، وهذا يوجب كون كل واحد منهما علة في الآخر ، وذلك محال .
فإن قال : إنا نعلم القبيح قبل أن نعلم وجوب الواجب ، فلا يصح أن يجعل علة قبحه وجوب المتروك ؟
قيل له : فما الّذي يمنع من أن يعلم وجوب الواجب أولا ، ثم يعلم قبح تركه ؟
وهذا يبين فساد حدهم ، لأنه يؤذن بأن الواجب قد يعلم واجبا ، وإن لم يعلم الترك للقبيح . ثم بعد العلم بوجوبه يحكم بقبح تركه ، فكما لا يصح أن يحدّ القبيح بأن له تركا واجبا لهذه العلة ، فكذلك القول في الواجب .
وبعد ، فقد ثبت أن في الواجبات ما لا يفعله من وجب عليه في حال مخصوصة ، ولا يقبح منه الترك ، بألا يمكنه أن ينفك من تركها ، وذلك نحو رد الوديعة ، إذا وجب وبينه وبينها مسافة ، فمتى أتت عليه الأوقات التي كان يمكنه فيها الرد ، فلم يفارق مكانه ، فقد علمنا أنه يستحق الذم في هذه الحال ، بأن لم يرد ، وما فيه من ترك رد الوديعة ، لا يمكنه أن ينفك منها في حال استحقاق الذم ، ولا يجوز أن يقبح منه ما لا يمكنه الانفكاك منه ، وهذا يوجب أن الذم يتوجه عليه من حيث لم يفعل الواجب ، ولهذا الوجه لو أكل من وجب عليه الصوم في صدر النهار ، لما وجب أن يستحق الذم على إمساكه ، لأنه لا يمكنه الانفكاك منه ، وكذلك القول في الواجبات المحتاجة إلى مقدمات .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 195
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٥