فكيف يصح أن يجعلوا الذم الّذي كان مستحقه تعالى لو لم يفعل الثواب ، هو المستحق بالتكليف القبيح ، فالحال ما قدمناه .
فإن قال : أليس قد قال أبو هاشم رحمه اللّه في « الأبواب الصغير » « 1 » :
إن أحدنا إذا وجب عليه الكلام فلم يفعله ، يستحق قدرا من الذم ، لأنه لم يفعله ، وقدرا آخر ، لأنه لم يفعل سببه ، ولو وجب عليه تعالى الكلام ، لكان إذا لم يفعل يستحق قدرا واحدا من الذم ، ففصل بين الغائب والشاهد . فهلا جوزتم أن يفصل بينهما في المسألة التي ذكرتموها ، من حيث كان أحدنا بألا يدفع الأجرة يكون فاعلا للترك ، وليس كذلك حاله تعالى ؟
قيل له : إنه رحمه اللّه رأى أن أحدنا لا يقدر على فعل الكلام إلا بسبب ، فوجوبه يضمن وجوب السبب ، فصار الواجب عليه كلا الأمرين ، فالقديم تعالى يصح أن يفعله لا بسبب ، فالواجب عليه واجب واحد ، فلذلك فصل بينه تعالى وبين أحدنا ، وليس كذلك ما ألزمناهم ، لأن التكليف لو قبح بألّا يفعل الثواب ، لكانوا قد أثبتوا من جهته فعلا قبيحا ، وأثبتوا واجبا لا تعلق له به ، فيجب متى لم يفعله أن يستحق قدرا آخر من الذم على ما ذكرناه في وجوب توفير الأجرة ، بعد / عقد الإجارة على وجه يقبح .
فإن قالوا : إنه تعالى لو لم يفعل الثواب لكان فاعلا في جسم المثاب ما يجرى مجرى المضادّ له ، فيستحق الذم عليه .
قيل له : القول أنه لا يصح ألّا يفعل الثواب إلا بأن يفعل ذلك المعنى ، حتى يجرى مجرى ترك الفعل ، أو يقول : قد يصح ألّا يفعله ولا يفعل ذلك المعنى .
فإن قال بالوجه الأول لم يصح ، لأنه يؤدى إلى ألا يخلو القديم تعالى من الفعل
هامش
( 1 ) لعله اسم كتاب أو رسالة .