قيل له : قد بينا سقوط ذلك ، ويجب لو صح أن يكون التفضل الموعود به بمنزلته ، لأنه متى لم يفعل يكون الوعد قبيحا كذبا ، فإن وجب لما ذكرتم أن يكون الثواب واجبا ، فواجب في التفضل الموعود به أن يكون واجبا .
فإن قالوا : كذلك نقول .
قيل له فيجب إذا وعد بأن يتفضل ، ألا يصح أن يفي بما وعد ، لأن الوعد قد اقتضى وجوبه ، وإنما وعد بالتفضل لا بالواجب ، وفساد ذلك يبيّن بطلان ما ذكروه .
وبعد ، فإذا صح أن الوعد خبر بالفعل ، وقد علمنا أن الخبر إذا كان صدقا ، يتعلق بالشيء على ما هو به ، لا أنه يصير على ما هو به بالخبر ، فكيف يمكن أن يقال : إنه صار واجبا ، لأنه خبر بأنه سيفعله ، وقد علمنا أنه قد يصح من المخبر أن يخبر بأن يفعل المباح والقبيح ، كما يصح منه ذلك في التفضل والواجب .
وطريقة الخبر في الجميع لا تختلف ، فلو كان في بعضه يقتضي وجوب الموعود به ، لوجب مثله في سائره ، فإذا صح ذلك ، بطل القول بأن الثواب يدخل في الوجوب ، من حيث لو لم يفعل لصح التكليف ، لأن ذلك قائم في التفضل الموعود به ، وذلك يبين من قولهم إنه لا يصح أن يعتقدوا مع هذا المذهب وجوب الثواب ، إلا أن يرجعوا إلى قولنا : إنه تعالى لو لم يفعله لاستحق الذم من حيث لم يفعله ، لا لأجل السابق .
وبعد ، فقد ثبت بالعمل ، أن من لم يفعل ما وجب عليه يستحق الذم في الحال التي لزمه الواجب فلم يفعله ، كما ثبت أنه يستحق الذم في الأصل ، فلا فرق بين من قال : لو لم يفعل تعالى الثواب ، لكان يستحق الذم على أمر متقدم فيما تقدم من الأوقات ، وبين من قال إنه لا يستحق الذم أصلا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 190
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٠